فهرس الكتاب

الصفحة 118 من 195

إن القصيدة عنده يشترك في صنعها اثنان هو ودمشق هي باختراعها لحروف أبجديته، وهو باختراعه لغة استثنائية لها إذ لابد، كما يقول، أن يخترع لغة استثنائية لهذه المدينة الاستثنائية فكل حروف الأبجدية مقتلعة حجرًا حجرًا من بيوت دمشق، وأسوار بساتينها، وفسيفساء جوامعها، قصائده كلها معمرة على الطراز الشامي، فكل ألف رسمها على الورقة هي مئذنة دمشقية، كل ضمة مستديرة هي قبة من قباب الشام، وكل حاء هي حمامة بيضاء في صحن الجامع الأموي، وكل عين هي عين ماء، وكل شين هي شجرة مشمش مزهرة، وكل سين هي سنبلة قمح، وكل ميم هي امرأة دمشقية. وما أكثر الميمات في دواوين شعره (24) .

هذه الحقيقة يؤكدها في موضع آخر في معرض إجابته على سؤال يتعلق بأثر طفولته في شعره، فقال:"أنا محصول دمشقي مائة في المائة. وأبجديتي تحتشد فيها كل مآذن الشام، وحمائمها، وياسمينها، ونعناعها، وخوخها، وعنبها، ووردها البلدي، ... وبين كل فاصلة وفاصلة من قصائدي.. تضيء عينان دمشقيتان" (25) .

ويؤكد الكلام نفسه في عام 1995 حين قال:"لا تطلبوا مني أوراقي الثبوتية. فأنا محصول دمشقي مائة بالمائة، كما الحنطة، والخوخ، والرمان، والجانرك، واللوز الأخضر في بساتين الغوطة. وكما البروكار، والأغباني، والداماسكو، وأباريق النحاس، والخزائن المطعمة بالصدف، التي هي جزء من تاريخي ... ومن جهاز عرس أمي" (26) . يؤكد هذه الحقيقة شعريًا في قصيدة"أم المعتز"التي يرثي فيها أمه:

أمي متفشية في لغتي..

كلما نسيت ورقة من أوراقي في صحن الدار

رشتها أمي بالماء مع بقية أحواض الزرع

فتحولت الألف إلى (امرأة) .

والياء إلى (بنفسجة) .

والدال (دالية)

والراء إلى (رمانة)

والسين إلى (سوسنة) أو (سمكة) أو (سنونو) (27)

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت