فهرس الكتاب

الصفحة 120 من 195

لم يشذ نزار قباني عن هذه القاعدة من حيث تأنيثه للمدينة لكنه تميز من غيره كونه الشاعر العربي الوحيد الذي تغزل بجسدين أنثويين، جسد المرأة وجسد المدينة، مستعيرًا صفات المرأة للمدينة تارة وصفات المكان للمرأة تارة أخرى مازجًا بينهما في أغلب الأحيان. فهو حين يتحدث عن المكان يستعير له صفات المرأة الجمالية، وحين يتحدث عن المرأة يستعير لها صفات المكان الجمالية، يقول عن المرأة:"إنها أوسع البحار، وأعمقها، وأخطرها" (33) ، ويقول عن الحب:"لن أترك غابة الحب أبدًا ولكنني سأحاول أن أستنبت فيها أشجارًا جديدة وغريبة، وأستورد لها بذورًا ولقاحات وشتولًا غير مألوفة، وسأشق فيها عشرات الطرقات الصغيرة وأحفر عشرات الآبار حتى تصبح غابة الحب نموذجية ( ... ) أنا لم أترك شواطئ المرأة أبدًا حتى أعود إليها، من ذا الذي يترك الرمال الدافئة والأصداف والأعشاب البحرية وسمفونية الموج والريح ويغير مكان إقامته" (34) .

إنَّ أقصى ما يمكن أن تبلغه المرأة الجميلة عنده هو أن تقوم بينها وبين دمشق ومآذنها وخاتم أمه علاقة مشابهة:

ألاحظت؟

كم تشبهين دمشق الجميلة

وكم تشبهين المآذن..

والجامع الأموي..

ورقص السماح..

وخاتم أمي

ألاحظت كم أنت أنثى (35) ..

دمشق والجامع والمآذن وخاتم الأم هي العناصر التي تحدد العلاقة بين المرأة والمكان والأم. وهي علاقة امرأة جميلة بمدينة جميلة، ويضفي على جمال المدينة القداسة، متمثلة في المسجد الأموي والمآذن، هناك جمال طبيعي وهناك قداسة بين الجسدين، جسد المرأة وجسد المدينة. بيد أن العلاقة بين المرأة والأم ملغاة، ولم يبق منها سوى العلاقة بواحدة من أشيائها"الخاتم"، فلا وجه للمقارنة بينهما سوى أن جمالها يشبه جمال خاتم الأم.

إِذن فقمة جمال المرأة أن تبلغ جمال دمشق بيد أنها لا تستطيع أن تقوم بينها وبين الأم علاقة مشابهة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت