فهرس الكتاب

الصفحة 121 من 195

إن انحياز نزار قباني للمرأة جعله ينحاز أيضًا للمكان ويؤنثه، بل إن هذا الانحياز جعله ينظر إلى العالم كله على أنه أنثى بما في ذلك الرجل مؤيدًا ما ذهب إليه ابن عربي في أن المكان غير المؤنث لا يعول عليه. مؤكدًا أنه حيث يكون الذكور تكون الأرض مالحة ويحل الجفاف، وتكثر المجاعات ويموت الشجر وتهرب العصافير، وتنشف الأرض وتزداد نسبة التلوث، وتشتعل الحروب وتتكرر (الهيروشيمات) . وحيث تكون المرأة، يكون الخصب والنماء، ويخضر الشجر، وترتفع السنابل، ويمتلئ العالم بالورد، والقمح، والأطفال حيث تكون المرأة تفيض أنهار الحنان وتتكاثر ذرية النجوم وذرية القصائد (36) .

تأخذ صورة المدينة عند نزار قباني دائمًا بعدين يسيران في اتجاهين متباينين: اتجاه يرسم صورة المرأة الجسد بوجهها الأنثوي الصبوح الذي تظهر فيه العناصر الجمالية الجسدية. في هذا البعد يمكن أن نصنف مدينة بيروت.، وصورة المرأة الأم التي تسيطر عليها عناصر الأمومة. في البعد الثاني يمكن أن نصنف مدينة دمشق، فهي بالنسبة إلى نزار قباني امرأة ليست ككل النساء، إنها امرأة استثنائية، والمرأة الاستثنائية، لا يمكن أن تكون غير الأم. دمشق، إذن، تساوي الأم، حيث يقترن الحديث عن دمشق دائمًا بالحديث عن الأم والبيت الذي ولد فيه الشاعر. إن المكان الذي ولد فيه الشاعر دمشق/ البيت لا يختلف عن رحم الأم ففي المكان الأنثى (دمشق) دفء، وانسجام وطمأنينة، وسعادة، شأنه شأن الحيز الذي كان فيه قبل الولادة (الرحم) : يقول في قصيدة تحت عنوان:"القصيدة تولد من أصابعها":

كيف أقول إنني ولدت؟

ولم أزل في بطن أمي جالسًا كفرخة مذبوحة

منتظرًا أن يأخذوا أمي

إلى طاولة الولادة (37)

وعلى فرض أن الولادة قد تمت، فقد كانت على غير عادة الولادات الأخرى، إنها مجرد انتقال من رحم الأم إلى رحم الطبيعة:

ما عندي أبدًا مشكلة

فكل شيء ها هنا، وجدته ملحنا

الأرض، والسماء، والحقول

والطيور، والرياح، والأمطار (38)

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت