فهرس الكتاب

الصفحة 128 من 195

يثني الشاعر ثناء خاصًا على بيروت سواء في حواراته أم في شعره، ففي أحد حواراته يقول عن بيروت (56) : إنه (الشاعر) كان في كل الأمكنة، ولم يكن في أي مكان وأن كل مدن العالم بالنسبة إليه كانت صالات ترانزيت وفنادق صالحة للمبيت ليلة واحدة أو ليلتين على الأكثر، ولكنه بعد بيروت لم يستطع أن ينام في أي مكان، ولا أن يكتب في أي مكان، فكل العالم بالنسبة إليه فندق من الدرجة الثانية وبيروت هي البيت، وأن كل العالم بلا جدران وبيروت هي السقف، وكل العالم صحراء وبيروت هي الماء وكل الجغرافيات تفرعات وهوامش وبيروت هي الأصل، وأنه من خلال تعامله الشعري مع عشرات المدن اكتشف أن بيروت نسخة لا تتكرر في تاريخ الشعر، وأن الشاعر الذي لا يتخرج من بيروت أو لا يتشكل في بيروت أو لا يعتمد في بيروت أو لا تنشر أشعاره فيها يبقى شاعرًا غير مكرس، ولا يصل إلى مرتبة النجومية وإنما يبقى في قائمة شعراء الكوميديا. إذ إن هناك قائمة طويلة من الشعراء أطلقتهم بيروت كالنيازك في سماء الوطن العربي مثل (السياب ونازك الملائكة، والبياتي ومحمود درويش وغيرهم) ..

والسؤال هنا لماذا خص بيروت بعد دمشق دون سواها من المدن الأخرى بهذا الثناء وهذا الحب؟ ويجيبنا نزار (57) ، إن المدن نساء، وأنه لو اجتمع كل خبراء العشق وكل خبراء الشعر على مائدة مستديرة لما استطاعوا أن يعرفوا لماذا تقدر امرأة أن تفجر بنا الكرة الأرضية وتضرم النار في تاريخنا وجهازنا العصبي في حين لا تستطيع امرأة ثانية أن تضرم عود كبريت. وبيروت ذكية جدًا وشاطرة جدًا وذات خبرة عالية في استدراج الشعراء إلى حبها والاحتفاظ بهم، وحين تحاول أن تقترب منها تقول لك:"بعدين، بعدين، أكمل قصيدتك الآن وعندما تفرغ من كتابة قصيدتك سأحبك". وعندما تتركها خمس دقائق وتذهب لتجلس مع القصيدة، تقول لك:"ولو يا أستاذ، هل هناك رجل يدير ظهره لامرأة جميلة، ويغازل ورقة؟ ألا تعرف أن هذا وقت الحب لا وقت الشعر؟ ..."

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت