فهرس الكتاب
وعلى الرغم من محاولة نزار تلخيص الأسباب التي جعلته يخص بيروت بعد دمشق بهذا الحب متمثلة في كونها ذكية جدًا، وشاطرة جدًا، وذات خبرة عالية في استدراج الشعراء إلى حبها والاحتفاظ بهم، إلا أنه سرعان ما يؤكد جهله بالأسباب الحقيقية التي جعلته يهيم بعشقها إلى هذا الحد، وأنه لا يدري ماذا فعلت به هذه المدينة، ولا ماذا وضعت في فنجان قهوته، ولا أي مادة كيماوية حقنته بها فغيرت فصيلة دمه، ولا يدري كيف دخلها على هيئة إنسان وخرج منها على هيئة كتاب، ولا يدري كيف دخلها عازبًا وخرج منها يجر آلاف القصائد.
بيروت، إذن، عشيقة الشاعر التي لا تضاهيها عشيقة أخرى، عشيقة متميزة، متفردة، لا يمكن أن تتكرر، لم يعثر عليها قبل أن يلتقي بها، ولن يعثر عليها مستقبلًا لأنَّه جرب كل نساء (مدن) العالم، ولم يفعل ذلك إلا لأنّه كان يبحث عنها، وقد ذكرها الشاعر في قصائد غزلية كثيرة وخصها بقصائد كاملة كانت بمثابة رسائل حب وهي: بريد بيروت (58) ، يا ست الدنيا يا بيروت، سبع رسائل ضائعة في بريد بيروت، بيروت محظيتكم، بيروت حبيبتي، إلى بيروت الأنثى مع الاعتذار، بيروت تحترق وأحبك (59) ، أربع رسائل ساذجة إلى بيروت، ومحاولة تشكيلية لرسم بيروت (60) ، وقد أكثر الحديث عن بيروت في قصائد غزلية حيث تندمج المدينة مع المرأة في أغلب الأحيان، من ذلك هذا المقطع من"قصيدة الحزن":
علمني حبك كيف الليل يضخم أحزان الغرباء
علمني كيف أرى بيروت
امرأة طاغية الإغراء
امرأة تلبس كل مساء
أجمل ما تملك من أزياء
وترش العطر على نهديها للبحارة والأمراء
علمني كيف ينام الحزن
كغلام مقطوع القدمين
في طرق (الروشة) و (الحمراء) (61)
ويتكرر الموقف نفسه في قصيدة"مع بيروتية"حين تغوص بيروت في عيني تلك الجالسة معه في مطعم كلؤلؤة حتى تغيب تمامًا رملًا وسماءً وبيوتًا.. وحين يبحث الشاعر عن بيروت يجدها ماثلة أمامه امرأة فاتنة:
بيروت. أفتش عن بيروت
على أهدابك والشفتين..