فهرس الكتاب
وأن معجزة بيروت هي، أنها مدينة ترفض موتها، ففي ذروة اشتعال الحرب الأهلية، كانت بيروت تطبع خمسين كتابًا جديدًا كل يوم، في حين لا تستطيع باريس أو لندن أو نيويورك في زمن السلام أن تدخل هذه المغامرة الثقافية الكبرى.
ومن ثم فإنه لا في لندن يستطيع أن يكون (شكسبير) ولا في باريس يستطيع أن يكون (بول فاليري) . أو (شارل بودلير) ، أما في بيروت فيستطيع أن يبقى نزار قباني (63) .
فلماذا هذا الحنين الجارف إليها؟ فإلى جانب كونها مدينة ثقافية حقق ذاته من خلالها فهي أيضًا تمثيل رمزي تتماهى مع المرأة المحبوبة:"كلما رأتني بيروت من نافذة البيت عائدًا ... ضحكت ضحكة ساخرة. وقالت: أنتم الرجال عقلكم صغير. تقيمون الدنيا وتقعدونها على رأس امرأة تعشقونها. ثم تعودون إلى صدرها نادمين. مستغفرين. ( ... .) كنت أعود إلى بيروت لأن قطع علاقتي معها يعني قطع جميع شراييني فعندما تصبح امرأة أو مدينة جزء من دورتنا الدموية، ومن قهوتنا الصباحية وجزء من حركة الدقائق والثواني، فإن هجر هذه المدينة ـ المرأة يساوي هجر الحياة ويعادل الانتحار."
إن بيروت أعطتني جرعة من الحرية عجزت أي مدينة أخرى أن تعطيني إياها. لذلك أجد صعوبة كبرى في التفاهم مع المدن الأخرى. إن إمكانية الكتابة عندي صارت مرتبطة ببيروت، وعندما أتركها أنسى القراءة والكتابة ( ... ) إن (برج أبي حيدر) ، و (برج البراجنة) و (برج المر) في بيروت تحرضني على الكتابة أكثر مما يحرضني (برج إيفل) في العاصمة الفرنسية الجميلة" (64) "
وعلى الرغم من أن مدنًا كثيرة أعطته أشعارًا غزيرة إلا أنه يحس وكأن بيروت هي المدينة الوحيدة التي تستطيع أن توقظ فيه شهوة الكتابة فلا شعر بغير بيروت ولا كتاب شعر يمكن أن يصدر من غير بيروت وأن الشعر جزء من صادراتها كما التفاح والكرز والبرتقال. وأنه لا يعتقد أن بلدًا في العالم يباهي بأن الشعر هو ثروته القومية إلا لبنان.