فهرس الكتاب

الصفحة 143 من 195

ومن ثمَّ لا ننتظر أساسًا موضوعيًا لسمات المكان حيث أننا:"نمتلك خلال صورة البيت مبدأ حقيقيًا لسيكولوجية الدمج" (83) . إنه الـ: أنا الذي يحمي الـ:أنا" (84) . وقد صور نزار قباني هذه الـ"أنا"الحامية"للأنا"، في كتاباته المختلفة التي تعد بمثابة سيرة ذاتية وفي أعماله الشعرية التي تعد كذلك سيرة ذاتية وعلى الرغم من أن كتابة السيرة تعد محاولة استعادة موضوعية للحياة السابقة، وهي نوع من التأريخ الخارجي لمرحلة الطفولة، إلا أنها ليست خالية تمامًا من الجانب التخييلي، فالسيرة عند نزار قباني لا تختلف كثيرًا عن المتخيل الشعري، أما الكتابة التأويلية (85) ، عنده فهي أكثر عمقًا لأنها تكشف عن أشياء خفية لكنها أكثر إلحاحًا في الظهور بشكل رمزي وبصورة خفية:"إن الطفولة أكثر بكثير من واقعها الموضوعي" (86) ."

يشبه، مول، ورومير الحيز الذي يحيط بالإنسان بالبصلة يحتل الفرد فيه قلب البصلة، والأماكن التي تحيط به تمثل طبقات البصلة، وتتسع هذه الطبقات كلما اتسعت مجالات أفعاله ونشاطه، فكل فرد يحيط به عدد من القواقع، أقربها إليه جلده الذي يمثل الحد الفاصل بينه وبين العالم، ثم تتوالى القواقع تباعًا، أقربها إلى الجلد هي الثياب، ثم تليها الحركة، ثم الغرفة، ثم الشقة، ثم المبنى، ثم الحي، ثم المدينة، ثم المنطقة، ثم البلد، ثم العالم. والإنسان يعيش في تذبذب جدلي بين الرغبة في الانتشار والانطلاق من قوقعة إلى أخرى في حركة طرد إلى الخارج وبين الرغبة في الانكماش والتقوقع في حركة جذب نحو

الداخل (87) .

بيد أن نزار قباني لا يعنيه من كل العالم سوى مدينتين حبيبتين إحداهما دمشق بمسكنها القديم، وثانيهما بيروت بمسكنها الجديد فالعالم كله، إذن، عبارة عن مدينتين وبيتين وامرأتين إنه العالم الأصلي أما ما تبقى من العالم فهو انزياح عن الأصل.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت