فهرس الكتاب

الصفحة 67 من 195

حيث كانت عيناها أنقى من مياه غمامة. وشعرها مرسلًا طفولي الضفائر، وقلبها صافيًا، وأثوابها بيضاء ترشرش ثلجًا ومخملًا، وصوتها لا يسمع، وثغرها خجولًا، كانت كلها عذوبة، ولكن كل ذلك قد تبدل فتوحشت حتى صارت كقطة شارع، وودعت حسنها فاستحالت وداعتها رعونة، وزينتها تبذّلًا، وباختصار لقد اغتال حسنها نفسه حين غدت غجرية تنوء يداها بالأساور والحلي، تجول في ليل الأزقة لا تثير التخيل، لأنها كانت أيام البساطة أجمل.

يلاحظ هنا تحول في موقف نزار قباني من المرأة، وهو الذي كان دائمًا مادحًا لعطورها وكل وسائل زينتها، ولكنه هنا يتّخذ موقفًا مغايرًا لتبرير رفضه المرأة.

17-يلخص عنوان القصيدة موضوعها،"ماذا أقول له؟"حيرة امرأة، ماذا سيكون موقفها لو عاد إليها حبيبها بعد الهجر؟، وتقرّر أن تعطيه رسائله، وتطعم النار أحلى ما كتباه، فقصتها انتهت معه من سنين، وماتت ذكراه كخيوط الشمس، وكؤوس الحب تكسرت من زمان؟ ولكن سرعان ما يحدث التحول في الموقف دون أي مبرر، حيث أشياؤه الصغرى تعذبها، فتتجه إلى الله سائلة كيف تنجو من الأشياء رباه؟ وفي مقطع يذكرنا بذلك المقطع الوارد في رثاء أبيه في قصيدة"أبي"في ديوان"قصائد"يقول على لسانها:

هنا جريدته في الركن مهملة

هنا كتاب معًا.. كنا قرأناه

على المقاعد بعض من سجائره

وفي الزوايا.. بقايا من بقاياه..

ومن الأشياء إلى المرآة، راحت تحدق فيها وتسأل أي ثوب يليق للقياه، ثم تستقر على قرار، إنها لا يمكن أن تدعي أنها أصبحت تكرهه، فمسكنه في أجفانها، ولا يمكن أن تهرب منه فهو قدرها، وتؤكد أنه حتى خطاياه لم تعد خطاياه. وتنتهي القصيدة:

ماذا أقول له لو جاء يسألني

إن كنت أهواه. إني ألف أهواه..

إن البنية النفسية للقصيدة هي الصورة التالية: حيرة يقين قوة ضعف.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت