فهرس الكتاب
لقد كانت المرأة دائمًا في تاريخ الشعر العربي بطاقة هوية لكثير من الشعراء، وقد استمر ذلك عند شعرائنا المحدثين، وفي مقدمتهم نزار قباني الذي جعل منها بطاقة هويته.
ب ـ المرأة في شعر نزار قباني.
لعل السؤال المحير هنا هو ما الذي يجعل المرأة موضوعًا خالدًا للكتابة الأدبية ـ (بصورة عامة والشعرية بصورة خاصة) ـ دائم التجدد والتعدد والتلون والتنوع؟ ويزداد هذا السؤال تعقيدًا وإِبهامًا وتصبح الإجابة عليه ضربًا من المستحيل عندما تصبح المرأة موضوعًا وحيدًا يحفز الشاعر دون سائر الموضوعات المحفزة للإنسان في هذا الكون والتي لا تعد. وعندما يصبح هما فيه تذوب شتى الهموم الأخرى، ونقطة مركزية في الكون تسبح حوله سائر الموجودات ولا يدركها الشاعر إلا من خلالها وهي المفتاح الذي لا تنفتح سائر أبواب الدنيا بدونه. وهي المبتدأ والمصير. ذلك شأن الشاعر نزار قباني الذي نشر أول ديوان له سنة أربعة وأربعين وتسع مائة وألف تحت عنوان"قالت لي السمراء"ومنذ ذلك الحين وهو يبحث عما قالته له السمراء أو ماذا تريد أن تقول له المرأة؟ وما الإشارات التي يرسلها جسدها؟ وذلك من خلال جل أدبه، لاسيما أشعاره في الحب (4) .
وبعد خمسين سنة من رحلة البحث هذه يعلن لسمرائه أنه رجل واحد وأنها صارت قبيلة من النساء، لا تحدها حدود جغرافية طبيعية، ولا تزاحمها في الوجود قبيلة أخرى عدا قبيلة الأعداء من الرجال. وذلك من خلال ديوانه الصادر سنة ثلاثة وتسعين وتسع مائة وألف بعنوان:"أنا رجل واحد وأنت قبيلة من النساء"... وذلك عن عمر تجاوز السبعين بقليل.
فما الذي جعل المرأة موضوعًا لأولى قصائده وهي أيضًا، موضوع لآخر قصائده وموضوع لكل شعره طوال ربع قرن، وموضوع لجل أشعاره طوال أزيد من نصف قرن؟ ...
كيف استطاع هذا الموضوع أن يوحي له بآلاف الصور ويظل مكرورًا دون أن يتكرر، حاضرًا دون أن يغيب لحظة واحدة، وطيفًا ووهمًا يحاصر مخيلة الشاعر ويفرض عليها أجمل الصور؟ ...