الصفحة 164 من 220

قال: إن بيني وبينه لخندقا من نار، وهولا وأجنحة، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لو دنا مني لاختطفته الملائكة عضوا عضوا، فأنزل الله: {كلا إن الإنسان ليطغى .. إلى قوله تعالى: كلا لا تطعه واسجد واقترب} .

في هذا الحديث معجزة من معجزاته - صلى الله عليه وسلم - وهي عصمة الله تعالى له من أعدائه، وهم الجم الغفير، والعدد الكثير، وهم على أتم حنق عليه، وأشد طلب لنفسه، وهو بينهم مسترسل قاهر، ولهم مخالط، ومكاثر، ترمقه أبصارهم شزرا، وترتد عنه أيديهم ذعرا، وقد هاجر عنه أصحابه حذرا، حتى استكمل مدّته فيهم ثلاث عشرة سنة، ثم خرج عنهم سليما لم يكلم في نفس ولا جسد، وما كان ذلك إلا بعصمة إلهية، وعده الله بها، فحققها له، حيث قال سبحانه: {يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك وإن لم تفعل فما بلغت رسالته والله يعصمك من الناس} {المائدة:67}

ولقد تجلّت عصمة الله تعالى لنبيه - صلى الله عليه وسلم - في وقائع متعددة، منها:

عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: لما نزلت: {تبت يدا أبي لهب وتب} جاءت امرأة أبي لهب ورسول الله - صلى الله عليه وسلم - جالس ومعه أبو بكر، فقال له أبو بكر: لو تنحّيت! لا تؤذيك بشيء. فقال - صلى الله عليه وسلم - إنه سيحال بيني وبينها، فأقبلت حتى وقفت على أبي بكر فقالت: يا أبا بكر هجانا صاحبك! فقال أبو بكر: لا ورب هذه البنْية ما ينطق بالشعر ولا يتفوّه به. فقالت: إنك لمصدق، فلما ولّت قال أبو بكر: ما رأتك؟ قال: لا، ما زال ملك يسترني حتى ولّت"."

وحدث أن قريشا استغاثت بمعمر بن يزيد - وكان أشجع قومه، وكانت بنو كنانة تصدر عن رأيه وتطيع أمره - فقال لهم: إني قادم إلى ثلاث وأريحكم منه، وعندي عشرون ألف مدجّج، فلا أرى هذا الحي من بني هاشم يقدر على حربي، وإن سألوني الدية أعطيتهم عشر ديات، ففي مالي سعة. وكان يتقلد بسيف طوله سبعة أشبار في عرض شبر، وقصته في العرب مشهورة بالشجاعة والبأس، فلبس

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت