فهرس الكتاب
يوم وعده قريشا سلاحه، وظاهر بين درعين، فوافقهم بالحطيم، ورسول الله - صلى الله عليه وسلم - في الحجر يصلي وقد عرف ذلك فما التفت ولا تزعزع، ولا قصر في الصلاة.
فقيل له: هذا محمد ساجد، فأهوى إليه وقد سلّ سيفه، وأقبل نحوه، فلما دنا منه رمى بسيفه وعاد، فلما صار إلى ربا الصفا عثر في درعه فسقط، فقام وقد أدمي وجهه بالحجارة يعدو كأشد العدو حتى بلغ البطحاء ما يلتفت إلى خلف، فاجتمعوا وغسلوا عن وجهه الدم وقالوا: ماذا أصابك؟ قال: إني لما دنوت من محمد فأردت أن أهوي بسيفي إليه أهوى إلي من عند رأسه شجاعان أقرعان ينفخان بالنيران، وتلمح أبصارهم، فغدوت، فما كنت لأعود في شيء من مساءة محمد - صلى الله عليه وسلم - ولما أصرّت قريش على قتل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأجمعوا أمرهم على أن يبيت أمام دار النبي - صلى الله عليه وسلم - أربعون شابا جلدا من شباب قريش، معهم السيوف فإذا خرج ضربوه ضربة رجل واحد، وأمره الله بالهجرة، فخرج من بينهم ليلا وأعمى الله أبصارهم فلم يشعروا به، فانطلق - صلى الله عليه وسلم - ومعه أبو بكر حتى دخلا الغار. ولما أصبحت قريش ورأت أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قد فاتهم تتبعوا الآثار في الرمال حتى انتهوا إلى باب الغار فوقفوا عليه، فقال أبو بكر: يا رسول الله! لو أن أحدهم نظر إلى قدميه لأبصرنا! فقال - صلى الله عليه وسلم - يا أبا بكر! ما ظنك باثنين الله ثالثهما"،"
وفي ذلك يقول الله تعالى: {إلا تنصروه فقد نصره الله إذا أخرجه الذين كفروا ثاني اثنين إذ هما في الغار إذ يقول لصاحبه لا تحزن إن الله معنا فأنزل الله سكينته عليه وأيده بجنود لم تروها وجعل كلمة الذين كفروا السفلى وكلمة الله هي العليا والله عزيز حكيم} {التوبة:40}
وهكذا حفظ الله رسوله، وردّ الذين كفروا بغيظهم، ولكنهم لم ييأسوا، فجعلوا لمن يأتي برسول الله - صلى الله عليه وسلم - حيا أو ميتا مائة من الإبل، فخرج الفرسان يطلبون رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وكان منهم سراقة بن مالك، فلما رآه أبو بكر قال: يا رسول الله هذا