فهرس الكتاب
والتحكم في تحت المهاد في المخ وهذه تدعو بدورها الغدة النخامية لإفراز الهرمونات التي تدعو باقي الغدد الصماء لإفراز هرموناتها التي تدعو وتحفز جميع أعضاء الجسم لنجدة العضو المشتكى, فهي شكوى حقيقية, وتداع حقيقي, وليس على سبيل المجاز, ومعنى التداعي هنا أن يتوجه كل جزء في الجسد بأعلى قدر من طاقته لنجدة المشتكي وإسعافه, فالقلب - على سبيل المثال - يسرع بالنبض لسرعة تدوير الدم وإيصاله للجزء المصاب, في الوقت الذي تتسع الأوعية الدموية المحيطة بهذا العضو المصاب وتنقبض في بقية الجسم, لتوصل إلى منطقة الإصابة ما تحتاجه من طاقة, وأوكسجين, وأجسام مضادة وهرمونات, وأحماض أمينية بناءة لمقاومة الإصابة, والعمل على سرعة التئامها, وهذه هي خلاصة عمل أعضاء الجسم المختلفة من القلب إلى الكبد, والغدد الصماء والعضلات وغيرها, وهي صورة من صور التعاون الجماعي لا يمكن أن توصف بكلمة أبلغ ولا أشمل ولا أوفى من التداعي. وهذا التداعي يبلغ درجة من البذل والعطاء عالية إذ يستدعي من الأعضاء والأجهزة والأنسجة والغدد المتداعية أن تهدم جزءًا من مخزونها من الدهون والبروتينات من أجل إغاثة العضو المشتكى, ويظل هذا السيل من العطاء مستمرًا حتى تتم عملية الإغاثة, وتتم السيطرة على الإصابة أو المرض, والتئام الأنسجة والخلايا الجريحة أو المريضة, حتى يبرأ الجسد كله أو يموت كله.
وهذه الحقائق لم يصل العلم البشري المكتسب إلى إدراك شيء منها إلا منذ سنوات قليلة, والسبق النبوي بالإشارة إليها في هذا الحديث الجامع هو من الشهادات على أنه - صلى الله عليه وسلم - قد أوتي جوامع الكلم, وأنه - صلى الله عليه وسلم - كان موصولًا بالوحي, ومُعَلمًا من قِبَل خالق السماوات والأرض؛ لأنه لا يمكن لعاقل أن يتصور صدورًا لهذا العلم النبوي من غير وحي السماء, هذا العلم الذي نطق به نبي أمي صلى الله عليه وسلم من قبل ألف وأربعمائة سنة, في أمة كانت غالبيتها الساحقة من الأميين, وفي زمن لم يكن فيه لأي إنسان إلمام بأقل قدر من هذه المعارف العلمية. وإبراز مثل هذه