فهرس الكتاب
ففي نهاية القرن الـ (19) اشتركت عوامل عديدة، بعضها ذو طابع عالمي، والبعض الآخر له خصوصية قومية، بالنسبة للقومية الأمريكية الناشئة، وخلقت معًا منُاخًا جديدًا واحتياجات جديدة للقوى الاجتماعية المهيمنة، وصبَّت جميعها في إشكالية الحرية الفردية. ذلك أن مسألة الحرية الفردية ليست ترفًا فكريًا، ولا غذاء روحيًا، وإشباعًا رومانسيًا، ولا مجرد رفض لواقع اجتماعي، مهما حاول البعض دفعنا للتحليق في فضاء أو"واقع"من نسج الخيال؛ بل إنها محور الصراع الاجتماعي، وجوهر صورة الإنسان في مرحلة بذاتها، وهي موقف، موقف نظام من نظام؛ وموقف فكر، وموقف الإنسان من نفسه ومن واقعه الخارجي ومن المستقبل. بل إن مضمون مفهوم الحرية الفردية هو الركيزة التي تعكس أولًا نظرة المجتمع إلى الدور المنتظر من الفرد ونطاق فعاليته، ومشروعية هذه الفعالية اجتماعيًا وفكريًا، وهو الذي يحدد المجال المسموح به لحركة الفرد إزاء القوة صاحبة السلطة والثقافة الغالبة، ومدى المقاومة التي قد تصادفه وتحول دون انطلاقه، ومدى مسؤوليته اجتماعيًا وأخلاقيًا.