فهرس الكتاب
إن مضمون مفهوم الحرية الفردية، وليس الشكل، هو جوهر الدينامية والحراك الاجتماعيين. وإذا كان الفكر الترنسندنتالي حاول أن يحلّق بالفكر بعيدًا عن الواقع إلى عالم من الخيال فسيح وقطع أو طمس جذور علاقة الفكر بالواقع، في إزدراء بالمجتمع، ليفقد الفرد سنده على أرض الواقع، إلا أن هذا كله لم يكن كافيًا. وقبله وضح أن مضمون مفهوم الحرية الفردية في عصر التنوير ليس هو السلعة المطلوبة للتصدير من قومية تفيض قوة وحيوية، وتتطلع وتتهيأ للسيطرة اقتصاديًا وفكريًا على العالم، كما تنبّأ لها باكرًا أحد المتحدثين باسم القوة الصاعدة، حين قال هيرمان ملفيل Herman Melville، ولكن في صيغة رومانسية:"نحن رواد العالم وطلائعه، اخترانا الرب؛ والإنسانية تنتظر من جنسنا الكثير. ونحن نشعر في مكنون أنفسنا بالقدرة على فعل الكثير. بات لزامًا على أكثر الأمم أن تحتل المؤخرة. إننا نحن الطليعة ننطلق إلى البرية لنقَدم ما لم يستطع تقديمه أحد" (1) .
أزمة العلم والحرية الفردية:
شهد العلم على مدى القرن الـ (19) تطورات هامة كان لها أثرها الواضح، إيجابًا وسلبًا، على الفكر الفلسفي بعامة في أوروبا وأمريكا، وعلى صورة الإنسان ومفهوم حريته بالتالي. وكانت نهاية القرن بداية تحول في مركز الثقل العالمي، اقتصادًا متمثلًا في المال والإنتاج أولًا، ثم فكرًا بعد ذلك، إلى الولايات المتحدة. فبعد أن كانت كلمة الغرب، والثقل الحضاري للغرب، تعني أوروبا، بدأ الميزان يميل منذ نهاية القرن الـ (19) ومطلع العشرين، لكن يُلقى الفكر الأمريكي بثقله في الميزان أيضًا. وبدأت كفة الفكر الأمريكي في الرجحان أحيانًا، خاصة بالنسبة للبلدان التي تعتمد عليه اقتصاديًا، وفي العالم الثالث بوجه أخص.
(1) 1 ـ (8) ص 330.