فهرس الكتاب

الصفحة 102 من 290

وكان آخر القرن الـ (19) ، كما سبق أن أشرنا، بداية ونهاية في آن واحد، نهاية عصر نيوتن والنظرة الآلية أو الميكانيكية؛ وبداية التقدم العلمي العاصف أو الثورات العلمية والسياسية للقرن العشرين، وما أحدثته من نتائج عميقة الأثر في الفكر والمعرفة ونظرة الإنسان إلى نفسه والى المجتمع. وكما أسلفنا كذلك، فإن الإنسانية في مراحل تطورها القائم على الطفرات أو القفزات الكيفية تمر ما بين طفرة وأخرى بمرحلة انسحاب إلى داخل الذات، مرحلة تراجع فيها نفسها وتعيش حالة من الشك، وتحاول أن تسبر أغوار نفسها وتتعمق ذاتها، وتجري حالة من الحوار أو المصالحة أو التوافق ثم التوازن، لتستجمع قدراتها وشجاعتها استعدادًا لنظرة جديدة، بإمكانات جديدة، إلى الواقع، مما يهيئها لطفرة تالية على خط التطور الارتقائي المتصل.

وبالفعل مع سقوط نيوتن عن العرش في نهاية القرن الـ (19) ثارت موجة من شك عاصفة اهتزت لها أركان الفكر الإنساني، وعانى خلالها الإنسان من ردَّة فلسفية. فقد ثار الشك مرة أخرى بشأن المعرفة من حيث قدراتها وأدواتها ونطاقها، وحظها من اليقين، ودور الإنسان في هذا الإطار، ومعنى الإرادة والاختيار وحدودهما. واقترن هذا كله بحالة من الغليان الاجتماعي، ونذر من الخطر الجسيم ـ سنعرض له بعد حين بدأ إحساس بالإحباط واليأس والتشاؤم يسيطر على المثقفين والمفكرين يماثل ما نعانيه نحن الآن في حالة الردَّة التي نعيشها. وتأثر الفكر الفلسفي بهذا المناخ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت