فهرس الكتاب
وظهرت الحاجة الملحة في البحث عن جديد في مجال تفسير القانون؛ إذ كان تفسير القانون لا يقل أهمية عن القانون ذاته، إن لم تتجاوزه. كان مطلوبًا نظرية جديدة في القانون تبرر الوضع السائد وتحافظ عليه وتدعمه وتطلق يد المشرع في التصرف ودعم مشروعية السلطة. ولذا كانوا بحاجة إلى مساعدة رجال الفكر والفلسفة ليصوغوا أسس نظرة جديدة إلى الحياة والكون والأخلاق والمعرفة؛ أي لتكتمل عناصر الأيديولوجية وتكون دعامة تواجه فكر القوى المعارضة"الهدامة".
أزمة الحرية الفردية في الأدب والفن
وعبَّر الأدب والفن عن هذه الحقبة، حقبة الخواء الفكري أو فقدان التوازن مع هواجس تثير الفزع من احتمالات تغيير معاكس. وقد أفضت الأحداث المتلاحقة إلى زوال روح التفاؤل والأمل الرومانسي والحرية والإيمان بحقوق الفرد التي روَّج لها الآباء والمؤسسون، وحملوها معهم قبسًا من فكر جون لوك، وغيره من فلاسفة التنوير. وسقط الاعتقاد بأن الفرد قادر بحريته على أن يبني سعادته، وأن يعيش في مجتمع حرآمنا على نفسه وعلى مستقبله، وحرًا في صنع ذاته ومصيره.
صوَّر الأدب حالة التشاؤم التي سادت المجتمع خلال العصر الذهبي للفكر الأمريكي (1870 ـ 1900) ، والتي كانت مرحلة مخاض لولادة الجديد من الفكر الذي ستكون له الهيمنة. وعبَّر من خلال صوره الأدبية عن المشكلات الاقتصادية وعن الحرية الفردية، واتخذهما موضوعين أساسيين. وتبدّى ذلك بوضوح في الرواية الاجتماعية. وخير ما يوضح ذلك رواية The Gilded Age التي كتبها مارك توين عام 1873 وعبر فيها بصدق عن تناقضات عصره، وفضح فظاظته وافتقاره إلى المعرفة والنظام، وقصوره الفكري إزاء ثورتي العلم والصناعة. ويقول فيها مارك توين:
"زمان بُخس في شأن الذوق، وحل التفاخر محل نبل المحتد، وأصبح الكم أهم من الكيف، وشاعت روح الابتذال الوقحة في كل مسارب الحياة الأمريكية" (1) .
(1) 1 ـ (8) ص 581، (5) ص 88 ك 3.