فهرس الكتاب
صفوة القول: إن حقبة ما بعد الحرب الأهلية تميزت بسطوة رجال المال والصناعة واحتكارهم للاقتصاد والحرية. وتميزت أيضًا بتحلل تدريجي لنزعة التفاؤل الرومانسي، وسقوط شعار الحرية الفردية بعد سقوط شعار المنافسة الحرة الاقتصادية. وسادت روح الشك تحت تأثير وضغط الصناعة وأزمة العلم، وأزمة المثقفين، ومأساة وتدهور حال الطبقات الفقيرة وتمردهم المتكرر، وانهيار مثال الدموقراطية والحرية، وما ينطوي عليه ذلك من أخطار مرتقبة تتهدد النظام القائم.
إذ على الرغم من مظاهر الثراء الضخمة التي أفرزتها الصناعة، وطموحات التقدم الصناعي والعلمي، إلا أن قيود المجتمع بدت توحي بالتضخم بدلًا من أن تقل. وساد شعور بالإحباط والضياع بين صفوف الشباب من المثقفين. وعم السخط بين صفوف العاملين وصغار رجال الأعمال الذين تهددهم الإفلاس. ولم يكن ثمة بديل سوى تغيير جذري للمجتمع وعلاقاته أو محاولة من جانب أصحاب السلطة والسلطان لاستخدام كل السبل الممكنة؛ وإسقاط سلاح قوى المعارضة والتغيير، وأعني بذلك إسقاط سلاحهم الفكري المشهر ضد النظام، والذي يدعم رابطتهم الاجتماعية، ويخلق منهم قوة لها بأسها وخطرها.
وكان المطلوب، وبإلحاح، فلسفة جديدة تحصَّن"المجتمع"وتحافظ على النظام، وتكسبه مناعة وقدرة على الاستمرار في وجه هذه التحديات وتحقق الهيمنة. فلسفة تسخر من فعالية الفكر ودوره الاجتماعي في تحسين وضع الإنسان، وتزدري مفهوم الحرية الفردية وتحيله إلى مفهوم أجوف. وبهذا تجعل الإنسان أعزلا من أي صلاح فكري، ومن ثم سهل الانقياد. ولا بأس من ان تعبر في ذات الوقت عن أزمة الشك واللايقين التي أحدثتها أزمة العلوم، وأفضت إلى الارتياب في العقل، وتعبر كذلك عن مأساة سيطرة الآلة وغلبة الآلية على الحياة وازهاقها للروح.
وجاءت الارهاصات الأولى لهذه الفلسفة، تعبيرًا مجملًا وشاملًا عن روح العصر ومزاجه، على يد الفيلسوف الأمريكي شارلس ساندرز بيرس.