فهرس الكتاب
العقل الأمريكي يفكر
الوعي بالذات، وسنوات الرشد والقلق
البحث عن نظرة شمولية أو كونية تحدد رؤية المجتمع، وتعبَّر عن خصوصيته، خطوة لا تأتي إلا بعد نضج المجتمع، وشعوره باستقلاليته الذاتية، ومصيره المميز، وتكامل عناصر بنيته، واستقطاب هذه العناصر، وتحديد معالم العلاقات بينها، ثم نشوء المشكلات التي تعبَّر أو تحدد حركة هذه العناصر أو الأقطاب الاجتماعية في علاقتها ببعضها البعض، انعكاسًا لمصالح فئات كل قطب؛ أي دخول هذه العناصر بعلاقاتها واستقطاباتها في نطاق الوعي الفردي والاجتماعي والتعبير عن ذلك بنسق من القيم والأفكار والرموز بل والأساطير كما كان الحال في المجمعات القديمة هن تكون للمجتمع فلسفته؛ أي يبدع فكرة إطاره الفكري ـ المعرفي القيمي المعبَّر عن خصوصيته المواكبة والدافعة لحركته.
وقد مرَّ المجتمع الأمريكي منذ أن كان مجتمع مهاجرين؛ وهو مجتمع حديث النشأة، بمرحلتين:
المرحلة الأولى: والتي كان المجتمع فيها لا يزال في طور التكوين، ولا يتجاوز حدود تجمع لأشتات من البشر المهاجرين. وساد آنذاك الاهتمام بالأخلاق وقواعد السلوك من خلال الدين، أو باسمه، لتحديد قواعد للسلوك الاجتماعي داخل هذا التجمع البشري الطارئ. وجرت فيه محاولات متتابعة ومتناثرة ومتباينة لتطويع الدين للمزاج النفسي وللحاجات"المجتمعية"، وتشبع النزوع الفردي في آن. وكان الفرد هو الوحدة الأساسية، ومحور القيم الأخلاقية. وكانت الحرية الفردية لها معنى خاص يتسق مع هذا المزاج وطبيعة التجمُّع، علاوة على الموروث، أو قل المنقول من أوروبا عصر التنوير وما أسبغته فلسفتها ومشكلاتها على مضمون مفهوم الحرية الفردية.