فهرس الكتاب
فالسلوك هو معيار صواب الفكرة. ومعنى هذا أن تحقق المصلحة أو الغرض ضمان صواب الفكرة أو الاعتقاد. إذ يرى بيرس أن السلوك أو الفعل ليس مجرد حدث يتبع أو يسبق غيره، بل و بحكم الضرورة وسيلة نحو غاية. فالغاية هي العلة النهائية (1) . وتحقق الغاية ليس معيار صدق فحسب؛ بل معيار خيرية أيضًا. إنه تأكيد على أن السلوك خير. فإن كل ما يحقق الغرض المنشود يمكن القول إنه صحيح أو له ما يبرره. والخير يرتبط ارتباطًا وثيقًا بالهدف والغاية والوظيفة (2) .
الاعتقاد عادة:
وينزع بيرس أيضًا إلى التفسير النفسي لمعنى الاعتقاد وتبعيته للسلوك. وهذا هو النزوع الذي يبلغ ذروته على يد وليم جيمس. يقول بيرس:"جوهر الاعتقاد هو تكوين عادة. ويمايز المرء بين الاعتقادات المختلفة على أساس أنماط النشاط المتولدة عن كل منها. والعادة، وهي سلوك أو نشاط عملي، هي التجسد البيولوجي لفكرة عامة (3) . ويشبه هذا قولنا إن فكرة ما، أو اعتقادًا ما، إذا تمركز في المخ، أي نشأ له مركز في الجهاز العصبي فإنه يصبح عادة، وبالتالي يحكم الاعتقاد الناشئ عن هذا نوعية السلوك. والنتيجة اللازمة عن ذلك إننا إذا استطعنا خلق هذا المركز العصبي، أي غرس الاعتقاد بوسيلة ما فإننا نخلق بالتالي السلوك اللازم."
وعلاوة على الاهتمام بالجانب العملي، وغلبة السلوك وصولًا إلى الهدف، كشف بيرس، حتى يكّمل صورته الأمريكية، عن نزوع لا عقلاني في هذا الصدد. فقد امتدح بيرس الغريزة ورأى أنها تكفل له اليقين بحياة مستقبلية، أي حياة في الآخرة. لم يعد العقل هو مصدر المعرفة وسبيل الإنسان إلى اليقين، بل الغريزة أو القلب. وكان يقول:"افتح عينيك وافتح قلبك فهو أيضًا عضو إدراك تدرك به" (4) . وقال أيضًا:"اعتقاداتنا الغريزية أجلُّ وأكثر يقينا من نتائج العلم" (5) .
(1) 5 ـ (24) ص 561، (6) مادة بيرس.
(2) 1 ـ (25) ص 403، 404.
(3) 2 ـ (26) ص 530.
(4) 3 ـ (15) ص 403.
(5) 5 ـ (17) ص 89.