فهرس الكتاب

الصفحة 136 من 290

المصادفة هي القانون العالم:

وانتقل بيرس خطوة أبعد، وسار بفكره الفلسفي مشوارًا أطول في سبيل دعم وتأكيد النظرة التي ألقى بذرتها شونسي رايت. أكد بيرس أن المصادفة"حقيقة موضوعية"، وأن العالم لا يخضع لأى صورة من صور الحتمية، بمعنى أن لا قوانين تحكم حركة العالم وظواهر الحياة والمجتمع. وإن كل ما نصطلح على تسميته قوانين علمية إنما هو قوانين تقريبية، والقانون العام والأشمل والأصدق هو المصادفة التي هي تعبير عن الحرية والتلقائية (1) . والإنسان في هذا الكون مدفوع بالغريزة التي هي عماد حياته. ويختار بيرس اسمًا أخر للغريزة؛ إذ يسميها الوجدان، أو النزعة المحافظة، فهي التي تميز الواجب الرسمي وذوبان الفرد في المجتمع. وهو إذ يمجد الغريزة، فإنما يحط من قدر العقل كقوة فاعلة باحثة وكاشفة لواقع موضوعي. فالإنسان عند بيرس يدرك علاقته بالكل عن طريق الغريزة، لا عن طريق العقل. وهو في هذا يشبه برجسون فيلسوف اللاعقلانية، كما يشبه جون ديون من بعده، الذي يقول:"إن أحساس الإنسان بالكلية، أي بأنه عنصر من عناصر كيان كلي شامل، أو الاتحاد بالكل، هو نتاج الحدس وليس نتاج التأمل أو العقل (2) ."

ولا يبقى للإنسان بعد تأكيد فاعلية الغريزة وإسقاط فاعلية العقل، غير الظن أو الاعتقاد. إنه يعيش وفق اعتقاد يصوغه من خلال خبرته الذاتية ويحكم سلوكه في الحياة. وهذا تأكيد لقول بيرس الذي اسلفنا الإشارة إليه:"جوهر الاعتقاد هو تكوين عادة. ويمايز المرء بين الاعتقادات المختلفة على أساس أنماط النشاط المتولده عن كل منها. وهذا مثل قول شونسي رايت:"فكرتنا عن الشيء هي فكرتنا عن آثاره المحسوسة" (3) ."

التحكم في معتقدات الناس:

(1) 5 ـ (17) ص 89.

(2) 1 ـ (27) ص 20، 21، (28) ص 161 ـ 163.

(3) 2 ـ (24) ص 548.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت