فهرس الكتاب

الصفحة 137 من 290

وإذا كان الاعتقاد عادة سلوكية تتكون من خلال التفاعل الحسي مع الواقع الذي هو خبرات ذاتية؛ وإذا كانت قيمة الاعتقاد (أو الفكرة فكلاهما بمعنى) هي نتائجه وآثاره الملموسة من نفع أوضرر؛ لنا أن نسأل كيف يمكن لنا، أو كيف يمكن لصاحب المصلحة، وهي السلطة الحاكمة هنا، أن تفيد بهذا المنهج لغرس اعتقاد ما في أذهان الناس حتى يسهل عليها أن تسوسهم وتوجههم إلى حيث تريد وكيفما شاءت مصالحها؟

نعود هنا إلى مقال كتبه بيرس بعنوان:"تثبيت الاعتقاد"ونشره في مجلة The Popular Science Monthly وذلك في عام 1878، يقول فيه:"إذا كانت المعرفة حسب النظرة البراجماتية مستحيلة. إذن كيف للإنسان أن يعمل؟ إن الإنسان يريد أن يعيش؛ وله هدف يسعى إليه، فكيف الوصول؟ وما هي الوسائل المؤدية إلى الغاية المنشودة؟ سبيله الوحيد والأوحد إلى ذلك أن يعمل بناء على اعتقاد. إنه لا يملك معرفة يقينية؛ ولكنه في ضوء الحالات الذهنية،والتي تعني المعرفة عنده، يصوغ اعتقادًا بأن كذا وكذا وسيلة صالحة للوصول به إلى الغاية المرسومة. وإذا نجح في ذلك فإن هذا دليل على أن الاعتقاد صحيح وصائب وموضوعي" (1) .

ثم يطرح بيرس سؤالًا ثانيا:"كيف نمنع الناس من الاعتقاد فيما هو خطأ؟"أو لنا أن نقول كيف نمنعهم، أو تمنعهم السلطة من الاعتقاد فيما تراه السلطة خطأ؟ وكيف نمنعهم بالتالي من الاعتقاد في قوانين العلم الطبيعي، خاصة قوانين حركة المجتمع؟

ليسمح لنا القارئ بأن نعرض باستفاضة نصَّ حديث بيرس في الردَّ على هذا السؤال؛ لما له من دلالة كبيرة بشأن الفهم الرسمي الأمريكي الآن لمعنى الحرية الفردية، والذي نجد له تطبيقات واسعة من مجال المصالح الحيوية الأمريكية، كما يجري تصديره وتطبيقه على أيدي مؤسسات وسلطات عديدة، خاصة في بلدن العالم الثالث التي لم تعش بعد مرحلة تنوير كاملة الأبعاد في العصر الحديث.

(1) 3 ـ (15) ص 402 ـ 403.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت