فهرس الكتاب

الصفحة 141 من 290

يأتي بعد شارلس بيرس سمُّيه وخليفته وليم جيمس الذي روج للفكر البرجماتي، وبسَّطه، وجعل منه فلسفة عامة سائدة. فهو الذي صاغ الأُسس النظرية لما يمكن أن نسميه الفكر الرسمي الأمريكي. إنه فيلسوف الحرية، حرية الإرادة الفردية، إذ يصف نفسه، ويصفه الناس، بذلك. ولكن بأي معني وفي أي إطار؟ ونحن نجد لكلمة الفرد رنينًا خاصًا، وجرسًا عاليًا في لغة جيمس الفرد الفعال المتجدد المؤمن بأن هناك جديدًا دائمًا تحت الشمس. الفرد الذي يضيق بالقيود أيًا كانت هذه القيود ممثلة في قوانين فكر أو مجتمع. الفرد الذي أنجز وحقق الكثير الفرد الذي هو قانون ذاته" (1) ."

سخر جيمس من الكون المتحجر الكون المكتمل الذي قالت به المثالية المطلقة؛ وقال إنه عالم ليس فيه إمكان. ويقصد هنا بعبارة الكون المتحجر. الحتمية سواءً أكانت هي الجبر بالمعنى الديني أم مثالية هيجل وقوانين جدل الفكر، أم بالتالي حتمية أو ضرورة علمية؛ أي قوانين علمية تحسم اتجاه الحركة. وهاهنا يمكن مفتاح فلسفته؛ إذ كان قد استشعر حرجًا عميقًا وهو في شرخ شبابه من جراء الجبرية التي التقى بها بوصفه عالم نفس بيولوجي. وأدرك أن هذه الجبرية تعني وجود كون اكتمال وانتهى تمامًا، كون مغلق لا يعرف معنى الجبرية والتجديد. وتساءل: كيف السبيل إلى الحرية إذن؟ إنه يجدها في تأكيده القوي العنيف بأن الكون ليس نظامًا على الإطلاق، بل كثرة من الأحداث المتباينة التي لا تكاد تربطها علاقات متبادلة، والتي تحدد نفسها بنفسها. قال جيمس:"الكون عملية كبرى ممكنة الوجود، وهو يؤكد الكثرة الجوهرية". ومن ثم تبدو فلسفة جيمس فلسفة يمكن وصفها بأنها فسيفسائية، أو قل أحداثًا كثيرة متداخلة أو متخبطة غير مستمرة ولا مستقره، متشابكة، ملونة حزينة. إنه يقف بوعي الإنسان عند حدود المحسوس المباشر شأن الحيوان سواء بسواء (2) .

(1) 1 ـ (16) ص 135 ـ 140.

(2) 2 ـ (17) ص 226.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت