فهرس الكتاب
والأخطر من ذلك أننا إذا سلَّمنا بواقع المجتمع وتصادم مصالحه، فسوف تتصادم الحريات، وتكون كل ذات حرة في كبت حرية معارضيها؛ وتكون حرية صاحب السطوة والسلطان، أو جهاز البطش، ذات قيمة استعمالية صائبة وواقعية وناجحة.. وهو ما ينتهى بنا إلى شعار:"البقاء للأقوى". إننى لا أستطيع أن أتحدث عن حرية الشعوب أو حرية الفكر والإبداع في ترابط مع مصالح المجتمع وحركته المستقبلية، وإنّما اتحدث عن حريتي أنا، أو حرية استثمار أموالي دون اعتبار لمصحلة المجتمع أو مصالح الآخرين. وهذه النظرة مصداق لرأي أو ليفر وندل هولمز:"الحق يمتلكه الشعب القادر على قهر الشعوب الأخرى" (1) . وهي عبارة تمثل لب النظرة الفاشية.
إن الخير والصواب في نظر البراجماتية أن تسلك الذات وفق رؤيتها للواقع الذي هو مرة أخرى أحاسيسها ومشاعرها الذاتية التي تنطوي على حب أو كره، أي وفق مصالحها، فليس ثمة واقع موضوعي تذعن له اللذات، أو واقع مفارق للمصلحة الذاتية الفردية، بل الواقع علاقة بحياتنا الانفعالية ولا شيء أكثر. فالموضوعات وأفكار الذات عن هذه الموضوعات هي منطلق سلوكنا، ولكن اللذاذات والآلام الناجمة عن السلوك تعدل مسار السلوك وتنظمه. وأخيرًا فإن أفكارنا عن اللذاذات والآلام تكتسب هي ذاتها قوة حفز أو كف (2) .
(1) 5 ـ نفس المصدر.
(2) 1 ـ (16) ص 36.