فهرس الكتاب

الصفحة 156 من 290

وإذا كانت البراجماتية على يد مؤسسيها، كل في مجال تخصصه، حققت نجاحًا في تقديم تأويل جديد، ورأت أن الحرية ليست سوى نوعًا من الميتافيزيقا، إلا أن التحولات الاجتماعية دفعت بالأحداث بعيدًا، مما جعل مسألة الحرية الفردية تتحول إلى أزمة. ولم يبق إلا أن نطَّوع الواقع قسرًا وفق مشيئتنا وهوانا، وقاية لمصالحنا ودرًا لمحاولات التغيير؛ ولكي تبقى لنا الحياة. وبالفعل كان القرن العشرين هو عصر أزمة الحرية التي فاقم منها، علاوة على النظم الاجتماعية، التطور العلمي والتكنولوجي السريع، والتحولات الاجتماعية، محليًا وعالميًا، التي تغذى بعضها بعضًا بفضل وسائل الإعلام الحديثة المتطورة والاتصالات المفتوحة بين الشعوب، مما جعل المواجهة حتمًا مقضيًا. ولم تقتصر أسباب الأزمة في ظاهرها على الاتساع المطرد للشُّقة أو الهوة الفاصلة بين حركة التقدم العلمي والتكنولوجي بسرعته الصاروخية وما يصاحبه من تحولات اجتماعية تتسم بالعنف والقسوة؛ بل والفجائية، وبين عجز المجتمعات عن توفير أسباب تطوير مفهوم الحرية الفردية بمعناه الاجتماعي لا الرومانسي؛ والارتقاء به ليلاحق، ولا أقول يواكب، التقدم العلمي التكنولوجي المذهل والتحولات الاجتماعية السريعة، ومن ثم يتحقق قدر من التوازن النفس والعصبي والفكري للإنسان. ولكن تعمدت القوى المهيمنة، التزامًا بمصالحها، وحفاظًا على بقائها، أن تضاعف من طمس هذا المفهوم وإفراغه من مضمونه وحرف معناه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت