فهرس الكتاب

الصفحة 184 من 290

وأفضت المبالغة في الحتمية الميكانيكية إلى إلغاء الإنسان ككيان له وجود متميز أرقى كيفيًا من الحيوانات الأدنى من حيث التطور؛ وأبرز سمات هذا الاتقاء هو الوعي. فالإنسان عند سكينر آلة. وما يصدق على الفئران والحمام يصدق عليه؛ وبذا يكون التحكم فيه من الخارج أي من ظروف البيئة. والتزم سكينر. بالفعل بنتائج تجاربه على الفئران وطبقها كما هي نظريًا على الإنسان على أساس المماثلة دون إجراء تجارب على الإنسان. وربما اكتفى بعمليات تعلم إنسانية أولية بسيطة دون بحث الوظائف المعرفية مثل التحليل والتقييم والأحكام المركبة والمفاهيم المركبة الخ (1) .

ومضى سكينر بمنهجه إلى غايته، إذ يقرر أن مفهوم الإنسان المستقل ليس سوى وسيلة نستعملها لتفسير ما لا نستطيع تفسيره بأية طريقة أخرى، بمعنى انه بدعة لا أساس ولا وجود لها، أو حيلة لغوية نستخدمها. ولهذا يستطرد قائلًا لقد بنينا مفهوم الإنسان المستقل من واقع جهلنا ولذا حق لنا أن نقول للإنسان بصفته إنسانًا:"مع السلامة؛ وليخلصنا الله منك" (2) . ويصدق ذات الرأي على مفهوم العقل، وهو مفهوم معطَّل؛ إذ ان عالم العقل، أو القول بوجود عقل، يستأثر بالاهتمام ويحول دون الاعتراف بالسلوك على أنه موضوع قائم بذاته؛ بل إننا في هذه الحالة نعتبر السلوك مجرد عَرَض لأفعال العقل. كذلك نهمل الظروف التي يعتبر السلوك نتيجة لها. والتفسير العقلي (أي القول بأن العقل هو العلة الفاعلة للسلوك) يضع حدًا لحب الاستطلاع (4) . والملاحظ أنه إذ يهاجم المفهوم الميتافيزيقي القديم عن العقل، يوسَّع نطاق الهجوم ويعممه بحيث يسقط ضمنًا التفسير العلمي النشوئي الارتقائي لمعنى العقل على نحو ما نجد عند علماء آخرين من أمثال بياجيه أو هنري فالون.

(1) 2 ـ (38) ص 96، 97.

(2) 1 ـ (33) ص 198 ـ 202.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت