فهرس الكتاب
تلك هي النهاية المأساوية التي انتهى إليها سكينر خاتم المرسلين من الفلاسفة وعلماء النفس الأمريكيين، حتى الآن على الأقل. وتلك هي وصاياه لانقاذ سلطة، وكل سلطة، تخلت عن المثل العليا التي كانت منطلق الإنسانية خلال عصر النهضة ومع مطلع الثورة الصناعية قبل أن يرتّد عنها أصحاب النزعة المحافظة؛ وهي بالضرورة منطلق كل نهضة مقبلة: الإيمان بعقل الإنسان صاحب الدور الاجتماعي الإيجابي، فضلًا عما يضيفه كل عصر من ذخائر جديدة تخص الإنسان المبدع.
وأخطر ما في هذه المأساة التي دفعنا إليها سكينر، ليس فقط تجريد الإنسان من هذه المثل العليا؛ بل النظرة التشاؤمية اللاإنسانية التي تسد الطريق أمام أي احتمال لتطور ارتقائي جديد في الفكر والمجتمع والاقتصاد.. الخ؛ إذ يجد كل دعاة الجمود والتقليد والمحافظة في هذا النهج سلاحًا ينتصرون به على خصومهم.. وخصومهم هؤلاء هم حملة مشعل النهضة، ودعاة الصحوة الحقة، ويملكون عادة البديل الذي يقود الناس إلى طريق الرشاد ويخرج بهم من الهاوية. وهذا البديل هو النظرة العلمية وليدة العصر، التي تفرق بين الإنسان والحيوان وتضع كلًا من مرتبة ومكانته، مدركة الفارق الكيفي في سياق التاريخ التطوري الارتقائي على نحو يحدد لكل ظاهرة خصائصها، وتعرف دور الوعي الإنساني؛ الفردي والاجتماعي، وبعده التاريخي، وحصاد هذا الوعي من فكر واكتشاف لقوانين الحياة الطبيعية والاجتماعية والاهتداء بها في تغيير الحياة وبناء المستقبل.