فهرس الكتاب

الصفحة 192 من 290

إن الحرية الفردية أبعد ما تكون عن مطابقتها بالفردية الأنانية؛ وأبعد ما تكون عن حصرها في إطار المشروعات الحرة الاقتصادية دون سواها؛ وأبعد ما تكون كذلك عن الإرادة الحرة؛ بمعنى رفض الضرورة وإسقاط قوانين حركة الواقع وعلاقات المجتمع. حقًا إنها ليست حرية مطلقة على نحو رومانسي فج يلقي بالمجتمع كله إلى التهلكة تحت إغراء رنين زائف. ولكن جميع الناس يتمتعون بدرجة ما من الاستقلال في اختيار أهداف نشاطهم وإيثار هذه السبيل على غيرها في بلوغ الأهداف المنشودة، وفي التحكم في ظروف الحياة الخ. ويتّسق الفكر العلمي للتاريخ مع النزعة الإنسانية الحقة، ومع المثل العليا لكل نهضة اجتماعية. وإذا كان حقًا أن الظروف المحيطة بالإنسان تصوغ الإنسان، فإن من الضروري والحال كذلك، مع إيماننا بالفعالية المتبادلة، أن نجعلها ظروفًا إنسانية؛ أي أن تكون ظروفًا تكفل للفرد الاجتماعي حرية التطور الارتقائي الشامل.

ولكن هذا كله على نقيض ما ينشده الفكر البراجماتي، أو الفكر الأمريكي الرسمي، الذي تطور على مدى القرن العشرين وأصبح نظرة كلية ازدادت نضجًا وشمولًا مع توالي الفلاسفة والعلماء؛ حملة لواء رسالة الفكر الأمريكي إلى العالم، وآخرهم سكينر، كل يبرر في مجال تخصصه هذا النهج الذي هو في جوهره نهج محافظ، ويرى من حقه اتباع كل وسيلة ممكنة في سبيل الوصول إلى حقه في البقاء، مؤكدًا أن هذا هو الحق والعدل والخير؛ لأنه النافع"له".

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت