فهرس الكتاب
ونخطئ مرة ثالثة، إذا ذهبنا نفس هذا المذهب وقلنا إن تغيير الواقع أو البيئة لا يعني غير تقديم معززات للسلوك الفردي، ثوابًا أو عقابًا، لتعديله وفق رؤية يحددها من يمسكون بخيوط المجتمع ولصالحهم طبعًا.
ولكن هذه هي النظرة التي تروق دعاة النزعة المحافظة والفكر السلفي. وليس غريبًا أن نجد لها وراجًا بين صفوفهم، وتعاطفًا ومناصرة؛ إذ يسود الولايات المتحدة منذ مطلع النصف الثاني من القرن العشرين، وهي حقبة رواج فكر سكينر، اتجاه يحمل اسم"النزعة المحافظة الجديدة". وأهم دعاة هذا الاتجاه ارفنج كرستول Irving Kristol الأستاذ بجامعة نيويورك، وملتون فريدمان الذي عمل مستشارًا اقتصاديًا لأكثر من رئيس للولايات المتحدة، وغيرهما من كبار رجال البنوك والنشر والصناعة والسياسة. والديموقراطية، ويدعمون، على الصعيدين المحلي والعالمي، التيارات المحافظة ذات النزعات السلفية.
ويسعى أصحاب النزعة المحافظة الجديدة إلى تقديم تفسير جديد لفكرة الحرية، بهدف تجريدها من أي محتوى آخر غير تبرير الملكية الخاصّة والمشروع الرأسمالي الحر. فها هو وليام سيمون وزير الخزانة الأمريكية الأسبق نراه في كتابه"وقت للصدق"يقول: إن المعنى الأصيل والحقيقى لمفهوم الحرية قد أفسده الإصلاحيون الليبراليون. وتحول مفهوم الحرية إلى ضد. فبدلًا من أن يعني الاستقلال عن التنظيمات الحكومية تحول إلى اعتماد متزايد على جهاز الدولة". ثم يضيف قائلًا:"إننا لا نستطيع أن ندافع عن الرأسمالية دون الدفاع عن عدم المساواة" (1) . وهكذا يدعو أصحاب النزعة المحافظة الجديدة إلى العودة أو المحافظة على مفهوم الحرية المطلقة للمشروعات الرأسمالية الخاصّة، ويرددون عبارات ترتكزُ فلسفيًا على أسس النظرة البرجماتية. ويرون في هذا تأصيلًا للحرية المفترى عليها."
(1) 1 ـ المرجع نفسه ص 20، 21.