فهرس الكتاب

الصفحة 203 من 290

وفكر سكينر على النحو الذي عرضنا أسسه، بات ضرورة في مجتمع يسحق الفردية كوجود اجتماعي مشروع، وكطموح مشارك في اتساق مع طموح جمعي. إنه يسحق الفردية تحت سطوة قوى اقتصادية عملاقة. الفرد يبحث عن وجوده فإذا به تحول إلى خرافة وميتافيزيقا. إنها فردية مناقضة لفردية الحرية الإنسانية التي أكدت العقل وردت له الاعتبار بعد أن سحقته أو وأدته مؤسسات سابقة زعمت أنها البديل عنه، وصاحبة الحق في التفكير نيابة عن الفرد؛ بل والجماعة، توجههم وتهديهم وترسم لهم الطريق وعليهم الطاعة.

ولكن، لقد تمرد الفرد، وانتزع حقه في إعمال الفكر والإبداع وفي أن يفكر لنفسه وبنفسه مع المجتمع وفي إطاره، ويكون له حق المبادرة. وكان تمرده وحركته اتساقًا مع مصلحة المجتمع. وهذا إلى عكس الفردية التي يروج لها الفكر البراجماتي التي هي انكفاء على الذات، وانحصار في إطار شعورها، فإذا بها مصلحة أنانية. وقد روج الفكر البراجماتي قيمًا تدعو الفرد إلى أن ينأى بنفسه عن تحمل عبء مشكلات الآخرين؛ وغرس لديه نظرة تركز فقط على المصلحة الفردية الشخصية، تجد تعبيرًا لها في الفردية الأنانية المالية، حتى بات المال هو القيمة العليا والوحيدة والمعيار الأمثل، وأصبح الحق والخير قيمتين مدفوعتي العائد. وأفضى هذا النوع من الفكر إلى خلق عداء راسخ لدى جماهير الناس ضد البرامج الداعية إلى مساعدة الآخرين من الفقراء والبسطاء، أو من الأقليات العرقية؛ إذ يرى المؤمنون بهذا الفكر أن الأقليات أو الفقراء من الناس إنما يعيشون عالة على حساب المجتمع، وأن ليس لهم حق طالما لا يملكون سطوة لأن الحق تصنعه وتفرضه القوة.

ولكن لا يزال السؤال الذي بدأناه: لماذا حقق فكر سكينر كل هذا النجاح حتى بات كما قلنا منافسًا لنجوم السينما شهرة وذيوعًا؟ الإجابة تستلزم منا نظرة تاريخية إلى المجتمع الأمريكي في حركته منذ ظهور رواية"?الدن 2"، وبيان أي أحداث كانت هذه الرواية رد فعل لها.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت