فهرس الكتاب

الصفحة 3 من 290

لذلك فإن عقل الأمة نسبي تاريخى، مكوناته بشرية وليست مفارقة أو خارقة، لأنه منتج اجتماعي مشروط بثقافة وفكر ولغة ونشاط أي فعالية اجتماعية مطردة ومواجهة أو صراع بقاء في زمان ومكان محددين. وليس للعقل، من حيث هو بنية نسقية، وجودًا مستقلا إلا من حيث النظر، ولكن وجوده رهن الإطار الاجتماعي الذي نشأ وتحرك فيه. إنه متداخل في جديلة واحدة في أفعال الممارسة العملية. فكل خبرة يتلقاها الإنسان/ المجتمع تجري في صيغة بنية تنظم تصور الإنسان للواقع والذات والكون وتكون مرجعًا للتفسير ومرشدًا للسلوك.

وليس عقل الأمة واحديا أحاديا بل تعددي تعدديا في التاريخ وفي الحاضر نظرًا لتعدد شرائح ومصالح المجتمع وتغير الفعل والنشاط فكرًا وأداة. ولكن هذه التعددية لا تنفي وجود سمات مشتركة هي مكونات الخصوصية المميزة التي تكمن أو تتجلى في أسلوب فهم الناس لحاجاتهم المشتركة، ومهامهم في الحياة، وأهدافهم المشتركة ووسائلهم في تحقيقها، ومن ثم تصوغ للمجتمع صورة مشتركة دعامة الانتماء بين أبنائه أي يكون وعيًا اجتماعيا في متصل تاريخى، أي تراث، دينامى متطور دائمًا؛ يغتنى ويترف، وهو دالة على مشروع وجودى وعلى نهج العمل وصولا إليه. وكما يقول كارل مانهايم فيلسوف سوسيولوجيا المعرفة في كتابة الأيديولوجيا واليوطوبيا إن الانتماء إلى جماعة يعنى من بين أمور أخرى أن أبناء هذه الجماعة يرون العالم ونهج التعامل مع الذات والآخر والطبيعة بطريقة متماثلة مميزة لهذه الجماعة وعقل الأمة هو الإطار الفكري الداعم لهذه الصورة ولهذا النهج في التعامل وإن كان هذا لا ينفي دينامية الانتماء، أعني دينامية العقل نظرًا لدينامية الواقع والتعامل الحياتى.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت