فهرس الكتاب
وهكذا أضحت الحرية الفردية خاضعة لمقتضيات السوق والعرض والطلب. الحرية الفردية سلعة، وهي أيضًا حرية الكسب والتحصيل. تضيق حدودها إذا صادفت عوائق تحد من شرها سواء كانت هذه العوائق في صورة قيود وقوانين تفرضها الدولة، أو قوى اجتماعية تمنعها من زيادة الاقتناء. وأي تقييد لهذه الحرية تحديدًا هو شر وخطأ. لكنها أغفلت الدور والعلاقات الاجتماعية. وكان هذا الفكر هو التعبير، أو هو أداة الطبقة الصناعية الصاعدة لتبرير وجودها ونجها وتوسعها، وهي الطبقة التي ستأخذ سبيلها لتتطور مع تطور الواقع الاقتصادي لها، ويتغير فكرها تبعًا لذلك كما يتغير أسلوبها في تناول قضية الحرية الفردية لما تقتضيه مصلحتها (1) .
ويتسق هذا الفكر الذي شكل تيارًا عرف باسم المدرسة الدستورية، مع التكوين النفسي الجديد الذي نشأ على بعض التقاليد والعادات القديمة، وتأكيد مبدأ الفردية الديموقراطية. ولقد كان لهذا التحول أثره الحاسم، وهو البداية التي تحددت في ضوئها معالم تاريخ أمريكا. إذ كان القرن الـ (18) حقبة ثورة صامتة تفاعل فيها الواقع مع الإنسان، ونشأت بذور علاقات وقيم اجتماعية جديدة اختمرت وبدأت مسيرة التحول التي نبتت معها معالم الخصوصية القومية والتمييز بين ما هو أمريكي وما هو وافد (2) . وكان عصر التنوير تعبيرًا عن شتات وافد غير أصيل، وعن بنية لم تنصهر عناصرها بعد، كما اتسم بالشك في التقليد والنزوع المتزايد إلى الفردية، والإيمان بأن التماس السعادة واللذة هما أساس معيار الأخلاق.
(1) 2 ـ (15) ص 85، 86، (5) المقدمة ـ ك 3.
(2) 1 ـ (5) ص 131 ك 1.