فهرس الكتاب

الصفحة 94 من 290

لقد كانت الترنسندنالية بمثابة رد فعل ضد النظرة التي تولدت عن طبيعة التقدم العلمي والفكر التنويرى، مثلما كانت بداية لمرحلة من الشك في صدق ويقين المعرفة العلمية. إذ صاحب التنوير، في أوروبا وأمريكا، تقدم وانتشار ملحوظ للعلوم الطبيعية مما أدى إلى تمجيد القانون الطبيعي، وبدا العالم في ضوء فكر نيوتن، على سبيل المثال، مجرد آلة صماء، وأضحى القانون الطبيعي عند جون لوك هو أساس النظر إلى الطبيعة والإنسان وصاحبت ذلك تحولات في العلاقات الاجتماعية: نمو للصناعة ولسلطة رجال المال والصناعة؛ وتدهور في أوضاع بقايا عناصر المجتمع مع بروز مشكلات جديدة وخطيرة لهم. ووضح أن حسم هذه المشكلات يسدُّ الطريق أمام النمو السريع لرأس المال. ولم تعد شعارات الماضي التي ذاعت في عصر التنوير تجدي إذا التزم بها أولو الأمر، في السياسة والفكر، حرفيًا. باتت إرثًا ثقيلًا يلزم تحويره والتحايل عليه. وهكذا كانت هذه الحقبة؛ حقبة الفكر الترنسندنتالي، سواء في أوروبا أو أمريكا التي لا تزال ترتبط بحبل سري بأرض الأجداد، بداية تحول إلى الاهتمام بالفلسفة بمعناها التقني الخالص بعد أن كان الفكر الفلسفي منغمسًا في العلوم الطبيعية والسلوك والممارسة العملية.

والترنسندنتالية في الفكر الأمريكي هي إيمان بتفوق المعرفة الحدسيّة على الحسيّة، فالمعرفة هنا إلهام، ومصدرها القلب. وهي بهذا المعنى ضد النزعة العقلية، وضد النزعة الحسيّة، وضد النزعة الميكانيكية والحتمية، كما تميل إلى الخرافات (1) . ومايز هذا الفكر بين الفهم وسبيله القلب. فالعقل تجريبي ومرفوض، أما القلب فقادر على النفاذ وكشف الحجب عن مجالات معرفية تعز على العقل (2) .

(1) 1 ـ (16) ص 292 ـ 297.

(2) 2 ـ (9) ص 88، 89.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت