فهرس الكتاب

الصفحة 95 من 290

وعارض أصحاب هذا التيار مفهوم الحسَّ المشترك، واحترموا الفردية بصورة مفرطة. وكشفوا عن ميل إلى عدم احترام التاريخ، ولهذا احتقروا البحث في الماضي وأخطاء السلف. ومجدوا الحرية الفردية، ولكن بمعنى الاستقلال الفردي عن المجتمع، واحتقار التراث والليبرالية لما لها من مدلول اجتماعي. وأكدوا حرية الإرادة باعتبارها أساس المسؤولية الأخلاقية. ورفضوا فكرة الانتماء المجتمعي أو الوطني، وكشفوا عن ثقافة كوزموبوليتينية، أي عالمية تسقط القومية، وتلفيقية. ودعوى إلى تحرير العقل من إسار عادات العقل العلمي. ويمقتون المؤسسات لأنها قيد على الحرية الفردية. ويطالبون بألا تتدخل الحكومة لا في حدود الأمن، ولا تسعى إلى فرض نفسها على الناس (1) . ومحور الاتجاه أن"الإنسان له أفكار لا تأتيه عن طريق الحواس الخمس أو قوى استدلال العقل، بل هي نتيجة وعي مباشر أو فيض من الله وإلهامة النوري أو وجوده تعالى حالًا في العالم الروحي. إنها معرفة لدُنيَّة. ويدرك الإنسان الصواب والخطأ، ويهتدي إلى الجميل والقبيح عن طريق الروح أو النور الباطني (2) ."

وكان تيار الفكر الترنسندنتالي بهذا المضمون يمثل في مجمله مزاجًا فكريًا تلفيقيًا، ولم يكن ذلك نما فيه جنين الفكر الذي جاء بعده وهو الفكر الرجماتي. ولم يكن ذلك التيار مذهبًا محدد المعالم متماسك البناء؛ بل تيارًا ينطوي على تنوع وتباين. ثم إنه كان لا يزال يعتمد على النقل من أوروبا ولا يرتكز على أصالة نابعة من واقعة، وإن مثّل مرحلة على الطريق ستبلغ غايتها ونضجها في المرحلة التالي. وليس أدلّ على ذلك مما قاله أحد المفكرين الأمريكيين وقتذاك، وهو جيمس فريمان كلارك: التسمية الملائمة لنا هي أننا أصحاب فكر متشابه، إذ لا يوجد بيننا اثنين يفكران على نحو متطابق (3) .

(1) 3 ـ (16) ص 227 ـ 233.

(2) 1 ـ (6) مادة ترنسندنتالية.

(3) 2 ـ المرجع السابق.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت