الصفحة 12 من 30

فَلمَّا أحَسَّ شَيْخُنا بمَكَرَةِ اللَّيْلِ، وتَسَامَعَ بمَهَرَةِ التَّضْلِيْلِ؛ قَامَ رَحِمَهُ الله يَزْأرُ كَأنَّهُ غِظَنْفَرٌ هِزَبْرٌ، مُقْبِلٌ مُدْبِرٌ، كَأنَّهُ جُمْلُوْدُ صَخْرٍ، انْحَطّ مِنْ رَأسِ جَبَلِ وَعْرٍ، ليَقْضِيَ الله أمْرًا كَانَ مَقْدُوْرًا، فعِنْدَهَا أشْهَرَ شَيْخُنَا رَحِمَهُ الله سَيْفَ أقْلامِهِ، وأطْلَقَ الأعِنَّةِ لإقْدَامِهِ، فأخَذَهُم أخْذَةَ أسَفٍ، واقْتَادَهُم إرْسَافًا في كِتَابِهِ العُجَابِ «تَصْنِيْفِ النَّاسِ بَيْنَ الظَّنِّ واليَقِيْنِ» !

فَعِنْدَهَا أصْبَحَ هَذَا الكِتَابُ تَسْلِيَةً للمُصَابِيْنَ مِنْ وَخَزِ إخْوَانِهِمُ الجَرَّاحِيْنَ، وكَانَ أيْضًا مَوْعِظَةً وتَذْكِيْرًا للأدْعِيَاءِ المُفْلِسِيْنَ، فانْظُرْهُ لِزَامًا ففِيْهِ امْتِدَادُ يَدٍ مَاسِحَةٍ على جُرُوْحِ أهْلِ العِلْمِ والدَّعْوَةِ، وتَسْلِيَةٌ يتَعَزَّى بِها أهْلُ الغُرْبَةِ السَّلَفِيِّيْنَ، وسَيَأتي لبَعْضِ كُتُبِ شَيْخِنَا رَحِمَهُ الله بَعْضُ التَّوَاصِيْفِ إنْ شَاءَ الله .

( وعَوْدًا بَعْدَ بَدْءٍ؛ ومَعَ هَذَا وذَاكَ فَقَدَ غَلَّبَ شَيْخُنَا رَحِمَهُ الله جَانِبَ العُزْلَةِ، ورَجَّحَ صَفَاءَ الخَلْوَةِ، فارْتَاضَتْ نَفْسُهُ للوَحْدَةِ، وتَسَامَحَ مَعَ النَفْسِ الفَرْدَةِ، واكْتَفَى بالتَّألِيْفِ والتَّقْيِيْدِ، والقِرَاءةِ والتَّصْيِيْدِ، فانْجَمَعَ عَنِ النَّاسِ، واجْتَمَعَ إلى نَفْسِهِ بإيْنَاسِ .

فَلا يُخَالِطُ إلاَّ على نُدُرٍ، ولا يُجَالِسُ إلاَّ على قَدَرٍ، فَكَانَ فِيْهِ مِنَ النَّاسِ نُفْرَةٌ، ولَهُ في المَاضِيْنَ عِبْرَةٌ، وفِيْهِ مِنَ الحَنَابِلَةِ نَزْعَةٌ، إذْ كَانُوا يَجِدُوْنَ في الخَلْوَةِ مُتْعَةً

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت