الصفحة 14 من 30

( فكَانَ رَحِمَهُ الله مُنْكَفًّا على نَفْسِهِ في قِرَاءَةٍ وتَألِيْفٍ، أغْلَقَ بَابَهُ على التَّدْقِيْقِ والتَّصْنِيْفِ، رَاضٍ بخَلَوَاتِهِ مُسْتَأنِسٌ، مَاضٍ في طَلَعَاتِهِ مُتَحَسِّسٌ، صَبُوْرٌ فَخُوْرٌ، فَلِمَاذَا حِيْنَئِذٍ التَّشَكِّي؟!

وقَدْ حَادَثْتُهُ مَرَّةً فَأبَى، ورَاجَعْتُهُ أخْرَى فَنَبَى، فبَايَنَنِي بالحَدِيْثِ وتَنَهَّدَ، وسَارَرَني بكَوَائِنِ الزَّمَانِ وعَدَّدَ، وحَذَّرَني مِنْ بَنَاتِ طَبَقٍ، ومِنْ زَبَدِ مَفَالِيْسِ اللَّفَقِ .

( ومَا أجْمَلَ مَا قَالَهُ الأحَيْمِرُ السَّعْدِيُّ:

عَوَى الذِّئْبُ فَاسْتَأنَسْتُ بالذِّئْبِ إذْ عَوَى وصَوَّتَ إنْسَانٌ فَكِدْتُ أطَيْرُ

رَأى اللهُ أنِّي للأنِيْسِ لشَانِئٌ وتُبْغِضُهُم لي مُقْلَةٌ وضَمِيْرُ

وهَكَذَا لم يَزَلْ شَيْخُنَا رَحِمَهُ الله يُدَافِعُ الأيَّامَ ويُزْجِيْهَا، ويُعَلِّلُ العُزْلَةَ ويُرَجِّيْهَا، فَامْتَطَى غَارِبَ الأمَلِ إلى الغُرْبَةِ، ورَكِبَ مُتُوْنَ التَّألِيْفِ مَعَ قِلَّةِ الصُّحْبَةِ، فَما زَالَ مَعَ الزَّمَانِ في تَفْنِيْدٍ وعِتَابٍ؛ حَتَّى رَضِيَ مِنَ الغَنِيْمَةِ بالإيَابِ، ومِنَ النَّاسِ بقِلَّةِ الأصْحَابِ، ممَّنْ ارْتَضَى خَلائِقَهُم، وأمِنَ بَوَائِقَهُم .

فَعِنْدَهَا تَسَلَّى بمُلازَمَةِ القَلَمِ والكِتَابِ، ومُطَالَعَةِ صَحَائِفِ أوْلي الألْبَابِ، مَا شَغَلَهُ عَنْ كَثْرَةِ المُخَالَطَةِ، وألهَاهُ عَنْ تَوَقِّي المُغَالَطَةِ، فَظَفَرَ مِنْهَا بضَالَّتِهِ المَنْشُوْدَةِ، وبُغْيَةِ نَفْسِهِ المَفْقُوْدَةِ، فجَعَلَ يَرْتَعُ بَيْنَ أزْهَارِ حَدَائِقِهَا، ويَسْتَمْتِعُ بحُسْنِ حَقَائِقِهَا .

وهَكَذَا اعْتَقَدَ مَقَامُهُ بذَلِكَ الجَنَابِ؛ حَتَّى تَوَارَى تَحْتَ التُّرابِ، فرَحِمَهُ الله الغَفُوْرُ التَّوَّابُ!

إذَا مَا الدَّهْرُ بيَّتَنِي بجَيْشٍ طَلِيْعَتُهُ اغْتِنَامٌ واكْتِئَابُ

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت