الصفحة 6 من 30

( لاجَرَمَ؛ فَقَدْ تَوَاقَفَتْ عِنْدَهُ التَّألِيْفُ، و تَثَاقَفَتْ مِنْهُ التَّصَانِيْفُ، بَارِعُ السَّبْكِ، رَافِعُ الشَّكِّ، لَهُ تَنْقَادُ البَلاغَةُ إرْسَالا، ومِنْهُ تَأتي الفَصَاحَةُ إسْلَالًا، لَيْسَ عَنْهُ أئِمَّةُ اللُّغَةِ والبَلاغَةِ ببَعِيْدٍ، ولا سَحْبَانُ والجَاحِظُ بفَرِيْدٍ، ولا الرَّافِعِيُّ وشَاكِرٌ بشَرِيْدٍ، قَدْ اكْتَسَى مِنَ الكِسَائِي بكِسَاءٍ، وتَدَثَّرَ مِنَ الفَرَّاءِ بفِرَاءٍ، وانْتَهَلَ مِنَ مَعَيْنِ النُّحَاةِ بدِلاءٍ، وارْتَوَى مِنْ كَأسِ البُلَغَاءِ بصَفَاءٍ .

ولَوْلا التَّطَاوُلُ والتِّقْوَالُ، لَقُلْتُ: كَادَ أنْ يَقِفَ فَلَكُ اللُّغَةِ بَعْدَ بَكْرٍ، لَكِنْ لم تَزَلْ بَقِيَّةٌ في تمِيْمٍ وبَكْرٍ، ومَا زَالَ في بِلادِ الرَّافِدَيْنِ وأرْضِ الكِنَانَةِ مِنْ ذِكْرٍ!

نَعَمْ؛ فإنَّ اللُّغَةَ لم تَزَلْ أبِيَّةً قَوِيَّةً، سَلِيْمَةً سَوِيَّةً، فلِرِجَالهَا قُدْمَةٌ وحَمِيَّةٌ، فَهُمْ حُمَاةٌ لهَا يَقَظَةٌ، وحُرَّاسٌ عِنْدَهَا بُلَغَةٌ، لِذَا فأنْسَابُها بالأمْوَاتِ مُتَأصِّلٌ، وسُلالَتُهَا بالأحْيَاءِ مُتَّصِلٌ!

( وقَدْ قِيْلَ في مِثْلِهِ:

وإذَا نَمْنَمَتْ بَنَانُكَ خَطًّا مُعْرِبًا عَنْ إصَابَةٍ وسَدَادِ

عَجِبَ النَّاسُ مِنْ بَيَاضِ مَعَانٍ يُجْتَنَى مِنْ سَوَادِ ذَاكَ المِدَادِ

( دَعَتْهُ هِمَّتُهُ، ودَفَعَتْهُ نَهْمَتُهُ فَجَابَ البِلادَ بَحْثًا ومُبَاحَثَةً، وسَائِلًا نَائِلًا، فَطَافَ بَعْضَ البِلادِ، وطَوَّفَ في المُؤتَمرَاتِ والتِّلادِ، فالْتَقَى بأفَاضِلِ العُلَماءِ، وأمَاثِلِ الأدَبَاءِ، وأخَذَ مِنْهُم وأعْطَى، وأفَادَ مِنْهُم وأبْدَى، فَكَانَ طَالِبًا مَطْلُوْبًا، وعَالمًا أدِيْبًا!

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت