فهرس الكتاب

الصفحة 11 من 24

عبادته وزهده ـ رحمه الله ـ

قال البزار: أما تبعده فإنه قل أن سمع بمثله، لأنه كان قد قطع جل وقته ومانه فيه، حتى أنه لم يجعل لنفسه شاغلة تشغله عن الله ـ تعالى ـ"ما يراد له لا من أهل ولا من مال، وكان في ليله منفردا عن الناس كلهم خاليا بربه ـ عز وجل ـ ضارعا مواظبا على تلاوة القرآن العظيم، فإذا دخل الصلاة ترتعد أعضاؤه حتى يميله يمنه ويسره، وكان قد رعفت عادته لا يكلمه أحد بغير ضرورة بعد صلاة الفجر، فلا يزال في الذكر يسمع نفسه وربما يسمع ذكره إلى جانبه مع كونه في خلال ذلك يكثر من تقليب بصره نحو السماء: هكذا دأبه حتى ترتفع الشمس وتزول وقت النهي عن الصلاة."

وقال ابن القيم ـ رحمه الله ـ حضرت شيخ الإسلام ابن تيمية مرة صلى الصبح ثم جلس يذكر الله إلى قريب من منتصف النهار، ثم التفت إلى وقال: هذه غدوتي ولو لم أتغد سقطت قويت، أو كلاما قريبا من هذا، وقال لي مرة: لا أترك الذكر إلا بنية إجمام نفسي وإراحتها لأستعد بتلك الراحة لذكر آخر أو كلاما قريبا هذا معناه.

أما عن زهده: فإن الشيخ ـ رحمه الله ـ نظر إلى هذه الدنيا نظرة ازدراء، تلاشت عنده مظاهرها، وتجلت حقيقتها، ومن ثم أراح نفسه من تعب الدنيا ونصبها في خدمة البدن، وشمر سائرا لله والدار الآخرة، فارغ القلب من الشهوات، ممتلئة بمحبة الله ورسوله، وبوعود الله ورسوله وقد فتح الله عليه بهذا الزهد من صغره، حتى كان شعارا له وصفه أطبق مترجموه على ذكرها، حدث شيخه الذي علمه القرآن قال: قال لي أبوه وهو صبي ـ يعني الشيخ ـ أحب إليك أن توصيه وتعده بأنك إن لم تنقطع عن القراءة والتلقين أدفع إليك كل شهر اربعين درهما وقال: ودفع إلي أربعين درهما، وقال: أعطه إياها فإنه صغير وربما يفرح بها فيزداد حرصه في الاشتغال بحفظ القرآن ودرسه، وقال له في كل شهر مثلها فامتنع من قبولها، وقال: يا سيدي إني عاهدت الله تعالى ـ أن لا أخذ على القرآن أجرا ولم يأخذها.

قال البزار: وإلا فمن راينا من العلماء من قنع من الدنيا بمثل ما قنع هو منها، أو رضي بمثل حالته التي كان عليها؟ لم يسمع أنه رغب في زوجة حسناء، ولا سرية حوراء، ولا دار قوراء، ولا مماليك وجوار، ولا بساتين ولا عقار، ولا شد على دينار ولا درهم، ولا رغب في دواب ولا نعم، ولا ثياب ناعمة فاخرة، ولا حشم، ولا زاحم في طلب الرئاسات ولا رؤى ساعيا في تحصيل المباحات.

أخلاقه رحمه الله

قال ابن عبد الهادي ـ رحمه الله ـ: لم يبرح شيخنا في ازدياد من العلوم، وملازمة للاشتغال، وبث العلم ونشره، والاجتهاد في سبيل الخير، حتى انتهت إليه الإمامة في العلم والعمل والزهد الورع والشجاعة والكرم والتواضع والحلم والإنابة والجلالة والمهابة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وسائر أنواع الجهاد،

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت