الصفحة 93 من 342

ويضيف زيادة:"في السجن تعرف معادن الرجال، كفار يونا سجن جنائي أسراه من اليهود وليس فيه من الأسرى الأمنيين العرب إلاّ غرفة واحدة يقيم بها الشيخ ومرافقان اثنان. عندما تتحدث عن الشيخ ياسين فأنت تصف ظاهرة، كان يضع لنفسه برنامجا مفعما بالحيوية لا يقوى على تحمله صحاح الأبدان ضعاف العزائم..كان يستيقظ يوميا في الساعة الثالثة صباحا، يتوضأ ويبدأ بتلاوة القرآن الكريم إلى أن يحين وقت صلاة الفجر..دقائق معدودة يقضيها العبد بين يدي ربه يرى الشيخ فيها ضعف السجان وضيق دنياه أمام سعة رحمة الله فيعود بعدها لتلاوة ورده من القرآن الكريم إلى أن تبزغ الشمس وتشرق الأرض بنور ربها حين يفتح السجان باب الغرفة. وفي وقت الفورة، ولبدنك عليك حق، يتعاون زيادة ورفيقه في إنزال قائدهم الشيخ عن درج الغرفة إلى ساحة الفورة حيث يقول زيادة:"لم يكن الشيخ مستسلما للمرض، كان يفهم إن في رياضة الجسد حياة للروح، نمسكه من تحت إبطيه، ونقوم بتدريجه مشيا، كنا نشعر أنه يوجه الرسالة للمراقبين على أبراج الحراسة، ولسان حاله يقول عدم قدرتي على الحركة لا يعني إني سأستسلم..كنا نقوم بعمل المساجات والتدليك لذراعي الشيخ وراحة يده وأصابعه، كنّا نشعر بمعنى الحياة تنبض في كل جسده، وتمضي ساعات الفورة ويعود الشيخ ومرافقوه إلى الغرفة، حيث يتوضأ من جديد ويتفرغ لصلاة الضحى التي تطول معه إلى أن يحين موعد العلم والفائدة حيث يلتجئ الشيخ إلى مكتبته الضخمة داخل غرفته الصغيرة، يطالع ويتصفح ويقرأ ما يكفي لغذاء عقله المستنير، وعن ذلك يقول زيادة:"كان شديد الاهتمام بالقراءة والمطالعة، وكان ذكيا واضح الفراسة إلى الحد الذي جعله يحفظ ما يقرأه بسهولة، شديد الولع بقراءة كتاب البداية والنهاية في التاريخ، وهو سلسلة من عشرين مجلدا، وكان يطلب منا أن نمتحنه فيه فنسأله عن قصيدة أو مقولة أو أي فكرة في الكتاب فيخبرنا إنها موجودة في مجلد كذا صفحة كذا."

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت