فهرس الكتاب

الصفحة 6 من 215

باب في الكَرَم وحُسْن الضيافة

الكرم صفةٌ من صفات البدويّ الطيبة، وسجيةٌ من سجاياه الكريمة التي لا زال يتمسك بها، ويعتز بها ولا يرضى أن يحيد عنها مهما كان الثمن، فهي تجري في عروقة كصفاته الأخرى من شهامة، وإباء، وعزة نفس، وإغاثة للملهوف. وقد ورثها عن أبائه وأجداده، ورضعها مع اللبن منذ نعومة أظفاره. وهي ميزةٌ من مزاياه الحميدة التي حباه الله بها فهو لا يصطنعها إصطناعًا ولا يتكلفها تكلفًا، إنما تأتيه عفويةً خالصة وبشكل تلقائي. والبدويّ معروف بشهامته وحسن معشره وإكرامه لضيفه وإستقباله له بوجه بشوش والترحيب به، حتى يستأنس ضيفه وتنفرج أساريره، وفي هذا فرحة غامرة ينتشي لها البدوي وهو يشعر بأنه قد نجح في إكرام ضيفه وأفلح في إدخال السرور إلى نفسه.

وقد كان البدو قديمًا يُشعلون النار في الليل ليهتدي إليها من ضلّ سبيله في الصحراء فيحسنون إليه ويكرمون وفادته ويرشدونه إلى ضالته. أما من لا يكرم الضيف فهو محتقرٌ في نظر البدويّ، وينظر إليه بإشفاق وكأنه إنسان شاذّ فَقَدَ أخلاقه وتجرّدَ من صفاته. وأمثالهم في هذا الباب كثيرة ومتنوعة نذكر منها ما يلي:

-الضيف إن أقبل أمير وإن قعد أسير وإن قام شاعر

هذا وصف للضيف الذي عندما يُقبل فكأنه أمير يزهو بشكله وهيئته، فإذا جلس فهو أسير عند مضيفه حتى يقدّم له واجبات الضيافة، أما إذا قام فهو شاعر يحدّث بما شاهد ورأى.

-الضيف أسير المحِلِّي

أي يحق للمضيف أن يُكرم ضيفه كيف شاء وعلى الضيف ألا يعترض كثيرًا (خاصةً إذا اعترض الضيف ولم يقبل أن يصنعوا له الطعام والقِرى) فهو كالأسير في بيت مضيفه، فإذا لم يقبل يقول له المحلي (صاحب البيت) الضيف أسير المحلي وعليه أن يسكت ويقبل بالأمر الواقع وهو إكرامه وتقديم القِرى له. وهذا لشدة الكرم عند البدو ولتأصّل هذه العادة فيهم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت