فهرس الكتاب
لقد كان الله الذي أخرج هذه الأمة , وجعلها خير أمة أخرجت للناس , يعدها لأمر عظيم هائل . . كان يعدها لحمل أمانة منهجه في الأرض , لتستقيم عليه كما لم تستقم أمة قط , ولتقيمه في حياة الناس كما لم يقم كذلك قط . ولم يكن بد أن تراض هذه الأمة رياضة طويلة . رياضة تخلعها أولا من جاهليتها ; وترفعها من سفح الجاهلية الهابطة وتمضي بها صعدا في المرتقى الصاعد إلى قمة الإسلام الشامخة ثم تعكف بعد ذلك على تنقية تصوراتها وعاداتها ومشاعرها من رواسب الجاهلية ; وتربية إرادتها على حمل الحق وتبعاته . ثم تنتهي بها إلى تقييم الحياة جملة وتفصيلا وفق قيم الإسلام في ميزان الله . . حتى تكون ربانية حقا . . وحتى ترتفع بشريتها إلى أحسن تقويم . . وعندئذ لا يستوي في ميزانها الخبيث والطيب ; ولو أعجبها كثرة الخبيث ! والكثرة تأخذ العين وتهول الحس . ولكن تمييز الخبيث من الطيب , وارتفاع النفس حتى تزنه بميزان الله , يجعل كفة الخبيث تشيل مع كثرته , وكفة الطيب ترجح على قلته . . وعندئذ تصبح هذه الأمة أمينة ومؤتمنة على القوامة . . القوامة على البشرية . . تزن لها بميزان الله ; وتقدر لها بقدر الله ; وتختار لها الطيب , ولا تأخذ عينها ولا نفسها كثرة الخبيث !
وموقف آخر ينفع فيه هذا الميزان . . ذلك حين ينتفش الباطل ; فتراه النفوس رابيا ; وتؤخذ الأعين بمظهره وكثرته وقوته . . ثم ينظر المؤمن الذي يزن بميزان الله إلى هذا الباطل المنتفش , فلا تضطرب يده , ولا يزوغ بصره , ولا يختل ميزانه ; ويختار عليه الحق الذي لا رغوة له ولا زبد ; ولا عدة حوله ولا عدد . . إنما هو الحق . . الحق المجرد إلا من صفته وذاته ; وإلا من ثقله في ميزان الله وثباته ; وإلا من جماله الذاتي وسلطانه !