الصفحة 74 من 97

وأمل النبي - صلى الله عليه وسلم- في الطائف ما لم يؤمله في مكة، ورجي عند أهل ثقيف ما لم يرجوه في أهل مكة، فذهب إليهم ومعه زيد بن حارثة، يدعوهم إلي الله، يدعوهم إلي الدين، يدعوهم إلي الإسلام، يدعوهم إلي الحق، ولكن ما انفرجت لرؤيته سرائرهم، وما تهيأت لرسالته بصائرهم، وما تفتحت لدعوته قلوبهم، وفوق كل ذلك لم يجد من صغارهم إلا هزءا، ولم يجد من صبيانهم إلا قبحا، ولم يجد من كبارهم إلا صدا وجحودا، كفرا وعنادا حتى سلطوا عليهم صبيانهم وأطفالهم فرموه بالحجارة فعاد جريح الجسد، كسير القلب، دامي القدمين، وفي طريق عودته لم يجد إلا خالقا يحتمي بحماه، وربا يلوذ به، والاه يضرع إليه (اللهم إليك أشكوا ضعف قوتي وقله حيلتي وهواني علي الناس، إلي من تكلني إلي بعيد يتجهمني أم إلي عدو ملكته أمري إن لم يكن بك غضب علي فلا أبالي، أعوذ بنور وجهي الذي أشرقت له الظلمات وصلح عليه أمر الدنيا والآخرة من أن ينزل علي غضبك أو يحل علي سخطك لك العتبي حتى ترضي ولك العتبي إذا رضيت ولا حول ولا قوه إلا بك) وإذا كان الله يرفع الضر و يلبي نداء المضطرين، إذا كان الله يكشف السوء ويجيب دعاء المظلومين،، فكيف إذا كان المنادي والداعي هو صفيه من خلقه وحبيبه من عباده محمد - صلى الله عليه وسلم- (إن لم يكن بك غضب علي فلا أبالي) شعار الموحدين والصالحين المصلحين، القائمين بالدعوة مقام المرسلين.

ووسائل مواجهة الدعوة، والعدوان على دعاتها كثيرة سجلها القرآن الكريم كلها، واستخدمها أعداء الدعوة في مواجهة أنبياء الله ورسله وعلى رأسهم محمد - صلى الله عليه وسلم-، فمن السخرية إلى التهمة بالكذب، إلى التهمة بالجنون، إلى الاتهام بالسحر، إلى الضرب والرجم أحيانًا، ومن السجن، إلى التعذيب، إلى النفي، إلى المحاصرة، ومن مصادرة الأموال، إلى التضييق في الأرزاق إلى التهديد بالقتل، بل كان القتل فعلًا لبعض الأنبياء والمرسلين، وكثير من الدعاة والمصلحين، ألم أقل لك أخي الحبيب"إنه طريق أصحاب الدعوات".

فهذا بلال بن رباح رضي الله عنه يجرد من ثيابه ويلقى على الصخور الحامية في بطحاء مكة، وهذا خباب بن الأرت رضي الله عنه يكوى ظهره بأسياخ محمرة من النار فيسيل شحمه على ظهره من شدتها، وهذا عثمان بن عفان رضي الله عنه يلفه عمه في حصير ثم يدخن عليه ليختنق بداخله. ثم أذكرك بالإمام أحمد بن حنبل في فتنة خلق القرآن التي أثارها المعتزلة في

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت