فهرس الكتاب
أيام المأمون، وقد ضربوه، وعذبوه، ونكلوا به، ولبث في السجن عامين ونصف العام فما تزحزح عن موقفه، وأصر على رأيه الصحيح، وكلما أفاق من إغماءة التعذيب قال:"القرآن كلام الله ليس بمخلوق". ولقد كان باستطاعته أن يتجنب كل هذا لو وافقهم على ما قالوا بلسانه فقط، ولكن هيهات لجبال العلم، والدين من أمثاله أن يمالئوا السلطان ويضلوا الناس بفتواهم، فصبر رضي الله عنه وعلمنا درسًا عظيمًا في ثبات العلماء.
انظر كيف رد النبي - صلى الله عليه وسلم- على خباب بن الأرت، وقد جاء يشكو له من التضييق والتعذيب ويقول:"يا رسول الله ألا تدعو لنا؟ ألا تستنصر لنا؟ فاعتدل بعد أن كان متكئًا وقال له:"كان من قبلكم يؤخذ الرجل فيحفر له حفرة في الأرض، فيجعل فيها، فيجاء بالمنشار فيوضع على رأسه فيجعل نصفين، ويمشط بأمشاط الحديد ما دون لحمه وعظمه، فما يصده ذلك عن دينه، والله ليتمن الله هذا الأمر حتى يسير الراكب من صنعاء إلى حضرموت لا يخاف إلا الله والذئب على غنمه، ولكنكم تستعجلون"."
فإذا كنت من الذين ثبتوا ولم يرهبهم البطش والجبروت، فهناك مجال آخر للفتنة هو بالمال والجاه والسلطان، فعلها ملك الروم مع عبد الله بن حذافة السهمي، فقال له وهو أسير عنده: تنصر أشركك في ملكي، فأبى رضي الله عنه.
وكررها اليهود مع السلطان عبد الحميد حين حاولوا إغراءه بمبالغ طائلة للدولة العثمانية، وتسديد ديونها مقابل التخلي عن فلسطين فرفض.
ومازالت تتكرر حتى الآن لكن المخلصين يرفضون كل الإغراءات، ويقاومون كل الابتلاءات، ويثبتون عند كل الفتن والامتحانات، والمرابطون خلف الثغور ليسوا منا ببعيد ... !!
اللهم ثبتنا علي دعوتك، وفقهنا دينك، واجمعنا في مستقر رحمتك، اللهم سَدِّدْ خُطانا إليك، شرِّفنا بالعمل لدِينك، ووفِّقنا للجهادِ في سبيلك، وغيِّر حالَنا لمرضاتك، امنحْنا التقوى، واهدْنا السبيل، وارزقنا الإلهامَ والرشاد، اللهمَّ ارزُقْنا الإخلاص في القوْل والعمل، ولا تجعلِ الدنيا أكبر همِّنا، ولا مبلغ عِلْمنا، وصلِّ اللهمَّ على سيدنا محمَّد وعلى أهله وصحْبه وسلِّم، والحمدُ لله ربِّ العالمين.