فهرس الكتاب
وفي بني النضير ظنوا أنهم مانعتهم حصونهم من الله، وكذلك ظن معهم بعض المؤمنين أنهم لن يخرجوا، فأتاهم الله من حيث لم يحتسبوا، وقذف في قلوبهم الرعب {هو الذي أخرج الذين كفروا من أهل الكتاب من ديارهم لأول الحشر ما ظننتم أن يخرجوا وظنوا أنهم مانعتهم حصونهم من الله فأتاهم الله من حيث لم يحتسبوا وقذف في قلوبهم الرعب يخربون بيوتهم بأيديهم وأبدي المؤمنين فاعتبروا يا أولي الأبصار} [الحشر: 2] .
ويتكالب الأعداء علي الدعوة ويتألم الشرك الوثني بكل عناصره، والغدر اليهودي بكل تاريخه، ويشتد الأمر علي النبي وأصحابه، قريش وغطفان من خارج المدينة، اليهود والمنافقين من الداخل، القران يصور هذا الموقف {إذ جاءوكم من فوقكم ومن أسفل منكم وإذ ذابت الأبصار وبلغت القلوب الحناجر وتظنون بالله الظنون * هنالك ابتلى المؤمنون وزلزلوا زلزالا شديدا} [الأحزاب: 11:10] . في هذه الساعات العصيبة التي يتلاشي فيها عود الأمل، ويخبوا فيها شعاع الرجاء، ولا يفكر المرء إلا في الخلاص والنجاة، النبي يشارك مع أصحابة في حفر الخندق لصد الغزاة وتعويق الطغاة الطامعين العتاة، يحدث النبي أصحابة عن الغد المأمول والمستقبل المرجو حين يفتح الله عليهم بلاد كسري بفارس، وبلاد قيصر بالشام، وبلاد اليمن بالجزيرة حديث الواثق المطمئن المؤمل فيما عند الله حتي أثار المنافقين: إن محمدا يعدنا كنوز كسري وقيصر، وأحدنا لا يأمن أن يذهب إلي الخلاء وحده {وإذ يقول المنافقون والذين في قلوبهم مرض ما وعدنا الله ورسوله إلا غرورا} [الأحزاب: 12] ، في الهجرة من مكة، والنبي خارج من بلده خروج المطارد المضطهد الذي يغير الطريق، ويأوي إلي الغار، ويسير بالليل، ويختفي بالنهار ... وفي الطريق يلحقه الفارس المغامر سراقة بن مالك وفي رأسه أحلام سعيدة بمائه ناقة من حمر النعم - جائزة قريش لمن يأتي برأس محمد حيا أو ميتا - ولكن قوائم جواده تسوخ في الأرض ويدركه الوهن، وينظر إليه الرسول، ويكشف الله له عن الغيب المستور لدينه فيقول له: (يا سراقة؛ كيف بك إذا ألبسك الله سواري كسري) ؟ فيعجب الرجل ويبهت ويقول: كسري بن هرمز؟ فيقول: (( نعم ) ).فيتحول قلب سراقة من طالب لمحمد - صلى الله عليه وسلم- إلي حارس له يعمي القوم عنه {واعلموا أن الله يحول بين المرء وقلبه وانه إليه تحشرون} [الأنفال: 24] .