فهرس الكتاب
وهذا كله من عدم فتح البصيرة أو عماها ولذلك قال فإنها لا تعمى الأبصار عن أدراك الحس لأنها أدركته وحجبت به ولكن تعمي القلوب عن أدراك المعنى فلا ترى إلا الحس ولا تحب إلا أياه ولا تطلب شيئا سواه نسأل الله عافيته وهداه قال الشيخ أبو الحسن الشاذلي رضي الله عنه عمي البصيرة في ثلاث أرسال الجوارح في معاصي الله والطمع في خلق الله والتصنع بطاعة الله اه ثم إذا طلبت الحق الذي لا أنفكاك لك عنه ورحلت إليه فأطلب معرفة ذاته لا زخارف جناته إذ هي كون من مكوناته ولذلك قال لا ترحل من كون إلى كون فتكون كحمار الرحى يسير والذي أرتحل إليه هو الذي أرتحل عنه ولكن أرحل من الأكوان إلى المكون وأن ربك المنتهي قلت الرحيل من الكون إلى الكون هو الرحيل من السوى إلى طلب السوى وذلك كمن زهد في الدنيا وأنقطع إلى الله بطلب بذلك راحة بدنه وأقبال الدنيا عليه لقوله صلى الله عليه وسلم من أنقطع إلى الله كفاه الله كل مؤنة ورزقه من حيث لا يحتسب ولقوله أيضا من كانت الآخرة نيته جمع الله عليه أمره وجعل غناه في قلبه وأتته الدنيا وهي صاغرة وكمن زهد فيها يطلب الخصوصية كأقبال الخلق والعز وتربية المهابة في قلوب الناس أو زهد فيها يطلب الكرامة وخوارق العادات أو زهد فيها يطلب القصور والحور فهذا كله رحيل من كون إلى كون فمثله كحمار الطاحونة يسير الليل والنهار وهو في موضعه فالذي أرتحل منه هو الذي أرتحل إليه فمن كانت همته الحظوظ النفسانية فحاله حال حمار الساقية في السير دائم وهو في موضعه قائم يظن أنه قطع مسافة مما طلب.