فهرس الكتاب

الصفحة 125 من 676

وهذا كله من عدم فتح البصيرة أو عماها ولذلك قال فإنها لا تعمى الأبصار عن أدراك الحس لأنها أدركته وحجبت به ولكن تعمي القلوب عن أدراك المعنى فلا ترى إلا الحس ولا تحب إلا أياه ولا تطلب شيئا سواه نسأل الله عافيته وهداه قال الشيخ أبو الحسن الشاذلي رضي الله عنه عمي البصيرة في ثلاث أرسال الجوارح في معاصي الله والطمع في خلق الله والتصنع بطاعة الله اه ثم إذا طلبت الحق الذي لا أنفكاك لك عنه ورحلت إليه فأطلب معرفة ذاته لا زخارف جناته إذ هي كون من مكوناته ولذلك قال لا ترحل من كون إلى كون فتكون كحمار الرحى يسير والذي أرتحل إليه هو الذي أرتحل عنه ولكن أرحل من الأكوان إلى المكون وأن ربك المنتهي قلت الرحيل من الكون إلى الكون هو الرحيل من السوى إلى طلب السوى وذلك كمن زهد في الدنيا وأنقطع إلى الله بطلب بذلك راحة بدنه وأقبال الدنيا عليه لقوله صلى الله عليه وسلم من أنقطع إلى الله كفاه الله كل مؤنة ورزقه من حيث لا يحتسب ولقوله أيضا من كانت الآخرة نيته جمع الله عليه أمره وجعل غناه في قلبه وأتته الدنيا وهي صاغرة وكمن زهد فيها يطلب الخصوصية كأقبال الخلق والعز وتربية المهابة في قلوب الناس أو زهد فيها يطلب الكرامة وخوارق العادات أو زهد فيها يطلب القصور والحور فهذا كله رحيل من كون إلى كون فمثله كحمار الطاحونة يسير الليل والنهار وهو في موضعه فالذي أرتحل منه هو الذي أرتحل إليه فمن كانت همته الحظوظ النفسانية فحاله حال حمار الساقية في السير دائم وهو في موضعه قائم يظن أنه قطع مسافة مما طلب.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت