فهرس الكتاب

الصفحة 196 من 676

وقال الروذابادي رحمه الله علمنا هذا أشارة فإذا صار عبارة خفي وقال الأمام الغزالي قد تضر الحقائق بأقوام كما يتضرر الجعل بالود والمسك قلت قد يرخص للعارف الماهر ألقاء الحقائق مع من لا يعرفها بعبارة رقيقة وأشارة لطيفة وغزل رقيق بحيث لا يأخذ السامع منها شيأ فقد كان الجنيد رضي الله عنه يلقي الحقائق على رؤس الأشهاد فقيل له في ذلك فقال جانب العلم أحمى من أن يأخذه غير أهله أو علمنا محفوظ من أن يأخذه غير أهله والله تعالى أعلم ثم أن الأجابة عن كل ما سئل والتعبير عن كل ما شهد وذكر كل ما علم يوجب أقبال الخلق عليهم وتعظيمهم وأكرامهم في هذه الدار لأن من ظهرت مزيته وجبت خدمته، ومن شأن العامة تعظيم صاحب الكرامة فيجني ثمرة علمه وعمله في هذه الدار الفانية وتفوته درجات الصديقين في تلك الدار الباقية فأمره بكتمها ويقنع بعلم الله ويدخر الجزاء عليها ليوم لقاء الله وعلى ذلك نبه بقوله إنما جعل الدار الآخرة محلا لجزاء عباده المؤمنين لأن هذه الدار لا تسع ما يريد أن يعطيهم، ولأنه أجل أقدارهم عن أن يجازيهم في دار لا بقاء لها قلت لا شك أن الله تعالى وسم هذه الدار بدار الغرور، وحكم عليها بالهلاك والثبور، فهي دار دنية دانية زائلة فانية فلذلك سميت الدنيا أما لدنوها وإما لدناءتها فهي ضيقة الزمان والمكان ووسم الآخرة بدار القرار ومحل ظهور الأنوار، وأنكشاف الأسرار، محل النظرة والحبور، ودوام النعمة والسرور، محل شهود الأحباب، ورفع الحجاب، نعيمها دائم، ووجودها على الدوام قائم، فلذلك جعلها الحق تعالى محلا لجزاء عباده المؤمنين، ومقعد صدق للنبيين والصديقين، ولم يرض سبحانه أن يجازيهم في دار لا بقاء لها ضيقة الزمان والمكان ومحل الأكدار والأغيار والذل والهوان، لأنها ضيقة لا تسع ما يريد أن يعطيهم أي لا يسع فيها ما يريد أن يكرمهم به تعالى زمانا ولا مكانا لأن أدنى أهل الجنة يملك قدر الدنيا عشر مرات فكيف بأعلاهم قال تعالى

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت