فهرس الكتاب
وقال الروذابادي رحمه الله علمنا هذا أشارة فإذا صار عبارة خفي وقال الأمام الغزالي قد تضر الحقائق بأقوام كما يتضرر الجعل بالود والمسك قلت قد يرخص للعارف الماهر ألقاء الحقائق مع من لا يعرفها بعبارة رقيقة وأشارة لطيفة وغزل رقيق بحيث لا يأخذ السامع منها شيأ فقد كان الجنيد رضي الله عنه يلقي الحقائق على رؤس الأشهاد فقيل له في ذلك فقال جانب العلم أحمى من أن يأخذه غير أهله أو علمنا محفوظ من أن يأخذه غير أهله والله تعالى أعلم ثم أن الأجابة عن كل ما سئل والتعبير عن كل ما شهد وذكر كل ما علم يوجب أقبال الخلق عليهم وتعظيمهم وأكرامهم في هذه الدار لأن من ظهرت مزيته وجبت خدمته، ومن شأن العامة تعظيم صاحب الكرامة فيجني ثمرة علمه وعمله في هذه الدار الفانية وتفوته درجات الصديقين في تلك الدار الباقية فأمره بكتمها ويقنع بعلم الله ويدخر الجزاء عليها ليوم لقاء الله وعلى ذلك نبه بقوله إنما جعل الدار الآخرة محلا لجزاء عباده المؤمنين لأن هذه الدار لا تسع ما يريد أن يعطيهم، ولأنه أجل أقدارهم عن أن يجازيهم في دار لا بقاء لها قلت لا شك أن الله تعالى وسم هذه الدار بدار الغرور، وحكم عليها بالهلاك والثبور، فهي دار دنية دانية زائلة فانية فلذلك سميت الدنيا أما لدنوها وإما لدناءتها فهي ضيقة الزمان والمكان ووسم الآخرة بدار القرار ومحل ظهور الأنوار، وأنكشاف الأسرار، محل النظرة والحبور، ودوام النعمة والسرور، محل شهود الأحباب، ورفع الحجاب، نعيمها دائم، ووجودها على الدوام قائم، فلذلك جعلها الحق تعالى محلا لجزاء عباده المؤمنين، ومقعد صدق للنبيين والصديقين، ولم يرض سبحانه أن يجازيهم في دار لا بقاء لها ضيقة الزمان والمكان ومحل الأكدار والأغيار والذل والهوان، لأنها ضيقة لا تسع ما يريد أن يعطيهم أي لا يسع فيها ما يريد أن يكرمهم به تعالى زمانا ولا مكانا لأن أدنى أهل الجنة يملك قدر الدنيا عشر مرات فكيف بأعلاهم قال تعالى