الصفحة 111 من 213

كذلك أومأ ابن قدامة إلى هذه العلة في المغنى بقوله في الكلام على دبغ جلد الميتة بعد أن ذكر القول الأول بأنه: لا يطهر عندهم قال: والثاني: يطهر لقوله -صلى الله عليه وسلم:"أََيُّمَا إِهَابٍ دُبِغَ فَقَدْ طَهُرَ". ولأنه طهر بانقلابه فلم يفتقر إلى استعمال الماء كالخمر إذا انقلبت خلا. ( المغنى 1/59-60)

ثم قال العلامة ابن تيمية: وأما دخان النجاسة فهذا مبني على أصل وهو: أن العين النجسة الخبيثة إذا استحالت حتى صارت طيبة كغيرها من الأعيان الطيبة مثل: أن يصير ما يقع في الملاحة من دم وميتة وخنزير ملحًا طيبًا كغيرها من الملح أو يصير الوقود رمادًا ونحو ذلك .. ففيه للعلماء قولان:

أحدهما: لا يطهر كقول الشافعي وهو أحد القولين في مذهب مالك وهو المشهور عن أصحاب أحمد وإحدى الروايتين عنه.

والرواية الأخرى: أنه طاهر وهذا مذهب أبي حنيفة ومالك في أحد القولين وإحدى الروايتين عن أحمد ومذهب أهل الظاهر وغيرهم.

وهذا هو الصواب المقطوع به فإن هذه الأعيان لم تتناولها نصوص التحريم لا لفظًا ولا معنى فليست محرمة ولا في معنى المحرم فلا وجه لتحريمها بل تتناولها نصوص الحلِّ .. فهي من الطيبات وهي أيضا في معنى ما اتفق على حله.

فالنص والقياس يقتضى تحليلها.

ثم قال: وأيضا فإن الله تعالى حرم الخبائث لما قام بها من وصف الخبث كما أنه أباح الطيبات لما قام بها من وصف الطيب وهذه الأعيان المتنازع فيها ليس فيها شيء من وصف الخبث وإنما فيها وصف الطيب. (الفتاوى21/ 70)

وهذا التعليل الذي علل به واضح لا غبار عليه وعليه تواطأ العلماء كالقرافي وغيره وزاد ابن تيمية ما يؤيده فقال: إن الاستقراء دلنا على أن كل ما بدأ الله بتحويله وتبديله من جنس إلى جنس مثل: جعل الخمر خلا والدم منيًا والعلقة مضغة ولحم الجلالة الخبيث طيبًا فإنه يزول حكم التنجيس وتزول حقيقة النجس لا تمكن المنازعة في هذا.

المثال الخامس: قضية حجاب المرأة المسلمة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت