فذهب بعض الشافعية والحنابلة إلى القول بتحريم ذلك احتجاجًا بحديث جبريل - عليه السلام - وكذا حديث ابن عباس -رضي الله عنهما- سالف الذكر: قلت: وقد جاء عن أبي هريرة ما يدل أيضًا على ذلك فعنه - رضي الله عنه - قال: الصورة الرأس فكل شيء ليس له رأس فليس بصورة [1] .
وذهب آخرون وهم جمهور أهل العلم إلى القول بجواز صناعة، أو نقش الرأس دون سائر الأعضاء، وعللوا ذلك بأنه إذا قطعت صورة ذوات الأرواح مما لا تبقى حياة الحي بعد ذهابه كصدره أو بطنه، فإن ذلك لا يدخل تحت النهي عن التصوير الوارد في الأحاديث.
قلت: والصحيح في ذلك هو القول بتحريم رسم، أو نقش الرأس فقط لقوة الأدلة الدالة على ذلك وصراحتها في الاستدلال بها، ولأن هذه الأحاديث التي جاءت بقطع الرأس حصرت الصورة المحرمة بوجود الرأس، فوجب حمل الحكم عليها لإناطة الحكم بها دون ذكر الأعضاء الأخرى، قال شيخنا ابن باز - رحمه الله-: ويشتمل الحديث المذكور أيضًا على أن قطع غير الرأس من الصورة كقطع نصفها الأسفل ونحوه لا يكفي، ولا يبيح استعمالها، ولا يزول به المانع من دخول الملائكة، لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - أمر بهتك الصورة ومحوها وأخبر أنها تمنع من دخول الملائكة، إلا ما امتهن منها، أو قطع رأسه فمن ادعى مسوغا لبقاء الصورة في البيت غير هذين الأمرين فعليه الدليل من كتاب الله وسنة رسوله -عليه الصلاة والسلام-، ولأن النبي - صلى الله عليه وسلم - أخبر أن الصورة إذا قطع رأسها كان باقيها كهيئة الشجرة، وذلك يدل على أن المسوغ لبقائها خروجها عن شكل ذوات الأرواح، ومشابهتها للجماد، والصور إذا قطع أسفلها وبقي رأسها لم تكن بهذه المثابة لبقاء الوجه الذي فيه من بديع الخلقة
(1) شرح معاني الآثار (4/ 287) .