والله عز وجل قد حذر من ذلك حيث قال: { ثُمَّ جَعَلْنَاكَ عَلَى شَرِيعَةٍ مِنْ الأمْرِ فَاتَّبِعْهَا ولا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُون*إِنَّهُمْ لَنْ يُغْنُوا عَنكَ مِنْ اللَّهِ شَيْئًا وَإِنَّ الظَّالِمِينَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُتَّقِينَ} سورة الجاثية ، الآيات: 18 , 19 .
وكذلك قوله تعالى يخاطب رسوله صلى الله عليه وسلم أيضًا بقوله: { وَأَنْ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ وَلا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ وَاحْذَرْهُمْ أَنْ يَفْتِنُوكَ عَنْ بَعْضِ مَا أَنزَلَ اللَّهُ إِلَيْكَ} سورة المائدة ، آية: 49 ،إلى غيرها من الآيات والأحاديث .
وصدق الإمام سفيان الثوري ـ رحمه الله ـ حيث قال: (( ما من الناس أعز من فقيه ورع ) ) [1] . ويعلل الإمام الشاطبي عزّة وندرة هذا النوع من الفقهاء ؛ بأن أفعاله قد طابقت أقواله فيقول ـ رحمه الله ـ: (( فوعظه أبلغ وقوله أنفع وفتواه أوقع في القلوب ممن ليس كذلك ، لأنه الذي ظهرت ينابيع العلم عليه واستنارت كليته به، وصار كلامه خارجًا من صميم القلب ، والكلام إذا خرج من القلب وقع في القلب ،ومن كان بهذه الصفة فهو من الذين قال الله فيهم: {إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ} سورة فاطر ، آية 28، بخلاف من لم يكن كذلك، فإنه وإن كان عدلًا وصادقًا وفاضلًا لا يبلغ كلامه من القلوب هذا المبلغ،حسبما حققته التجربة العادية ) ) [2] .
(1) - أخرجه الخطيب البغدادي في الفقيه والمتفقه 2 / 340 .
(2) - الموافقات 5 / 299 .