فهرس الكتاب
  • 📄

  • 📄
الصفحة 55 من 63

وذلك أن كثيرًا من الأحكام الشرعية الاجتهادية تتأثر بتغير الأوضاع والأحوال الزمنية والبيئية ؛ فالأحكام تنظيمٌ أوجبه الشرع يهدف إلى إقامة العدل وجلب المصالح ودرء المفاسد،فهي ذات ارتباط وثيق بالأوضاع والوسائل الزمنية وبالأخلاق العامة ، فكم من حكم كان تدبيرًا أو علاجًا ناجحًا لبيئة في زمن معين، فأصبح بعد جيل أو أجيال لا يوصل إلى المقصود منه ، أو أصبح يفضي إلى عكسه بتغير الأوضاع والوسائل والأخلاق .

ومن أجل هذا أفتى الفقهاء المتأخرون من شتى المذاهب الفقهية في كثير من المسائل بعكس ما أفتى به أئمة مذاهبهم وفقهاؤهم الأولون ، وصرّح هؤلاء المتأخرون بأن سبب اختلاف فتواهم عمن سبقهم هو اختلاف الزمان وفساد الأخلاق في المجتمعات ، فليسوا في الحقيقة مخالفين للسابقين من فقهاء مذاهبهم، بل لو وُجِدَ الأئمة الأولون في عصر المتأخرين وعايشوا اختلاف الزمان وأوضاع الناس لعدلوا إلى ما قال المتأخرون [1]

وعلى هذا الأساس أسست القاعدة الفقهية القائلة: (( لا ينكر تغير الأحكام بتغير الأزمان ) ) [2] .

ومن أمثلة هذه القاعدة:

-أن الإمام أبا حنيفة ـ رحمه الله ـ يرى عدم لزوم تزكية الشهود ما لم يطعن فيهم الخصم ، اكتفاء بظاهر العدالة ، وأما عند صاحبيه أبي يوسف ومحمد ـ رحمهما الله ـ فيجب على القاضي تزكية الشهود بناء على تغير أحوال الناس [3] .

-كذلك أفتى المتأخرون بتضمين الساعي بالفساد لتبدل أحوال الناس مع أن القاعدة: (( أن الضمان على المباشر دون المتسبب ) )وهذا لزجر المفسدين [4] .

(1) - انظر: مجموع رسائل ابن عابدين 2 / 123 ؛ المدخل الفقهي العام 2 / 923,924 .

(2) - انظر: القواعد الفقهية للشيخ أحمد الزرقا ص227 ؛ الوجيز في القواعد للبورنو ص254.

(3) - انظر: تبين الحقائق شرح كنز الرقائق 6 / 211 .

(4) - انظر: قواعد ابن رجب القاعدة 127 ، 2 / 597 تحقيق مشهور بن حسن آل سلمان ، دار ابن عثمان ، الطبعة الأولى 1419هـ .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت