فهرس الكتاب
وألصق من هذا الكلام ببحثنا قوله رحمه الله في موضع آخر:"واعلم أن من عُني بحفظ السنن، والأحكام المنصوصة في القرآن، ونظر في أقاويل الفقهاء، فجعله عونًا له على اجتهاده، ومفتاحًا لطرائق النظر، وتفسيرًا لجمل السنن المحتملة للمعاني، ولم يقلد أحدًا منهم تقليد السنن التي يجب الانقياد إليها على كل حال دون نظر، ولم يرح نفسه مما أخذ العلماء به أنفسهم من حفظ السنن وتدبرها، واقتدى بهم في البحث والتفهم والنظر، وشكر لهم سعيهم فيما أفادوه ونبهوا عليه، وحمدهم على صوابهم الذي هو أكثر أقوالهم، ولم يبرئهم من الزلل -كما لم يبرئوا أنفسهم منه-؛ فهذا هو الطالب المتمسك بما عليه السلف الصالح، وهو المصيب لحظه، المعاين لرشده، والمتبع لسنة نبيه صلى الله عليه وسلم، وهدي صحابته رضي الله عنهم.. ومن أعف نفسه من النظر، وأضرب عما ذكرنا، وعارض السنن برأيه، ورام أن يردها إلى مبلغ نظره؛ فهو ضال مضل.. ومن جهل ذلك كله أيضًا، وتقحم في الفتوى بلا علم فهو أشد عمى، وأضل سبيلًا" (1) .
وحول اختلاف أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول:"قال إسماعيل القاضي: إنما التوسعة في اختلاف أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم توسعة في اجتهاد الرأي، فأما أن تكون توسعة لأن يقول الإنسان بقول واحد منهم، من غير أن يكون الحق عنده فلا، ولكن اختلافهم يدل على أنهم اجتهدوا فاختلفوا".
قال الإمام ابن عبد البر:"كلام إسماعيل هذا حسن جدا" (2) اهـ.
وأنت إذا تأملت كلام ابن عبد البر وجدته كلاما ممتلئًا نافعًا منصفًا، وهو -بحمد الله- منطبق على ما قررناه.
الفصل الرابع
مبحث الخلاف والترجيح
الاختلاف من طبيعة البشر التي فطروا عليها، وهو متى كان مضبوطًا بالضوابط الشرعية: من الاجتهاد، وصدق النية، والتجرد، صار من التوسعة على الأمة.
(1) جامع بيان العلم (1/172- 173) .
(2) جامع بيان العلم (2/82) .